ماذا لو فشلت الحرب الاقتصادية الأمريكية على إيران؟

تواجه خطة واشنطن لشن حرب اقتصادية على إيران أسئلة حول قدرتها على تحقيق نتائج سياسية، في ظل خبرة طهران الطويلة بالعقوبات وضيق الوقت أمام إدارة ترامب.

عن الكاتب

الركابي حسن يعقوب
الركابي حسن يعقوب

كاتب وصحفي سوداني

ماذا لو فشلت الحرب الاقتصادية الأمريكية على إيران؟
ماذا لو فشلت الحرب الاقتصادية الأمريكية على إيران؟
أثير- الركابي حسن يعقوب
يغلب على خطاب المسؤولين الأمريكيين بخصوص الحرب الاقتصادية التي تزمع أمريكا شنها على إيران والتي حددت لها ما سمّته بـ “ساعة صفر” تبدأ في غضون هذا اليوم الإثنين، يغلب على هذا الخطاب الطابع الدعائي التخويفي المبالغ فيه والحاد وهو خطاب أقرب في محمولاته ومضامينه إلى مفهوم الحرب النفسية التي تهدف بالأساس إلى إضعاف الروح المعنوية للعدو، بالتأثير المباشر على الجانب النفسي له ببث رسائل مصممة بصورة ممنهجة ومدروسة يتم تصويبها لمكامن ونقاط الضعف لدى العدو.
ويبرز اسم وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في أعلى قائمة المسؤولين الأمريكيين الذين يتولون مهمة قيادة الحملة الدعائية ضد إيران، حيث برز بيسنت ولمع نجمه منذ أن أعلنت واشنطن عن خطتها لشن حرب اقتصادية على طهران، بعد الفشل الذريع للحملة العسكرية التي جربتها واشنطن ثلاث مرات ولم تجنِ منها أية نتائج تجعل طهران تأتي طائعة خاضعة للإملاءات الأمريكية بحسب ما خططت له.
الوزير الأمريكي بيسنت بدا متحمساََ بصورة مفرطة ولافتة للنظر وهو يطلق تصريحاته النارية معلناََ عما سماه “أضخم هجوم مالي على إيران” ونشر مقالاََ في صحيفة فاينانشال تايمز يؤكد فيه أن بلاده ستشن هجوما غير مسبوق يقطع جميع مصادر الإيرادات التي تدعم النظام المالي الإيراني، مهدداََ بالقول إن أي دولة تعمل كشريان مالي للنظام الإيراني عليها أن تتوقع تقاسم العزلة معه.
هذا الخطاب الأمريكي ذو الطابع الدعائي هو استمرار لنفس النهج الذي التزمته واشنطن منذ بداية الحرب، والذي تولى الرئيس ترامب بنفسه من خلال تغريداته وكتاباته في منصة “تروث سوشال” وتصريحاته للصحفيين، وكلها كانت ذات سقوف عالية وأهداف مبالغ فيها لم يراها العالم متحققة على الأرض من قبيل محو الحضارة الفارسية، وإعادة إيران إلى العصر الحجري، وتدمير البنى التحتية والأعيان المدنية، وتفجير عُمان، إلى آخر ما كان يَعِد به الرئيس ترامب ويتوعد به طهران بصورة يومية حتى ملّها الناس ولم يعودوا يكترثون لها وكان مآلها النسيان.
وفي غمرة هذا الحماس الطاغي والمفرط، وفي خضم الوعيد والتهديد بهجوم اقتصادي “غير مسبوق” الذي أطلقه الوزير بيسنت، تظهر مجموعة صنع القرار وإدارة الأزمة في الجانب الأمريكي بمظهر ملوك بوربون في فرنسا الذين عادوا للحكم في القرن التاسع عشر ووصفهم السياسي الفرنسي شارل موريس بأنهم عادوا ولكنهم لم ينسوا شيئاً ولم يتعلموا شيئاً، كناية عن عودتهم بذات الأخطاء والممارسات التي أفضت إلى إقصائهم من الحكم أول مرة.
وحال صناع القرار في أمريكا اليوم كحال ملوك بوربون لم ينسوا شيئاً ولم يتعلموا شيئاً يعيدون إنتاج نفس الأخطاء وإعادة تدوير نفس الاخفاقات وينتظرون نتائج مختلفة!!
لن تفلح الحرب الاقتصادية في تحقيق ما عجزت عنه تماماََ الآلة الحربية العاتية، وذلك لسبب بسيط وهو أن من وضع خطة الحرب الاقتصادية لم يضع استراتيجية خروج منها، تماماً مثلما حدث بالنسبة للحملة العسكرية، ما يعني تكرار نفس الخطأ الذي أدى إلى فشل الحملة العسكرية ومقياس الفشل والنجاح هنا ليس بكم المنشآت التي دمرت أو قصفت وإنما مقياس ذلك هو بماهية النتائج السياسية التي تحققت جراء هذا القصف والتدمير.
والسؤال المحوري والمفصلي الذي ربما غاب عن عرّاب الحرب الاقتصادية - ويظهر ذلك من خلال الحماس والثقة المفرطة في حديث بيسنت – هو: ماذا لو فشلت خطة الحرب الاقتصادية ولحقت بأختها الحملة العسكرية!!
وبالتالي يبرز سؤال بديهي يولد من رحم السؤال الأول وهو ما العمل بعد؟ وما البديل؟
هل البديل هو العودة القهقرى للخيار العسكري ومحاولة إشعال عود الثقاب الذي أُشعِل من قبل وتم استخدامه ولم يعد “قابلاََ للاشتعال” مرة أخرى وإعادة تجريب المجرب ، أم أن لدى متخذي القرار الأمريكي خيارات أخرى مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟
إن إدارة ترامب تمعن كل يوم في غرس قدميها أكثر فأكثر في الوحل الإيراني وتظن أنها تتقدم وتسير في الاتجاه الصحيح.
وخطأ الجانب الأمريكي القاتل هو أنه بدأ بالخيار الأخير ورمى بالورقة الرابحة في مستهل اللعبة، والصحيح أن استخدام ورقة الاقتصاد كان من المفروض أن يتم كخيار أول بعد فشل خيار المفاوضات الأولى التي رعتها سلطنة عُمان، ومن عجب أن أمريكا هي التي نقضت المفاوضات بضرباتها المباغتة لإيران أثناء الجولة الأخيرة منها وكانت قاب قوسين أو أدنى من النجاح.
الورقة الاقتصادية لن تؤتي ثمارها لكونها تأتي في أعقاب فشل أضخم وأشرس وأقسى حملة عسكرية، وتبدو محاولة أمريكا القضاء على إيران بالحرب الاقتصادية كمن يحاول عبثاََ قتل حوت بإغراقه بالمياه، فإيران لها ميراث ضخم من التجربة والصبر الاستراتيجي حيال العقوبات والحرب الاقتصادية تمتد لما يزيد عن خمسة عقود، فضلاً عن أن الحرب الاقتصادية تحتاج وقتاََ أطول لكي تؤتي ثمارها وإدارة الرئيس ترامب في عجلة من أمرها، وتسابق الزمن لتحقيق أهدافها قبل حلول انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وهي في أشد الحاجة للسيطرة على الكونغرس لتمرير خططها وسياساتها، وفي التوقيت الحالي ترتفع خلاله الأصوات المنادية بوقف الحرب والانسحاب في الداخل الأمريكي وتتراجع فيه شعبية ترامب والجمهوريين.
صحيح أن الحرب الاقتصادية الأمريكية ستؤدي إلى خنق إيران والتضييق على شعبها وهي حقيقة لا يمكن إنكارها، ولكن الأصح هو هل سيؤدي هذا الخنق الاقتصادي والتضييق في المعيشة إلى استسلام النظام الإيراني والإذعان للشروط الأمريكية أو ثورة الشعب ضد النظام وإسقاطه كنتيجة حتمية مباشرة كما تريد أمريكا؟؟
هذا ما لم تضعه إدارة ترامب في حسبانها وهي تؤكد انتصارها حتى قبل أن تنطلق الحرب الاقتصادية.. والمثل الأمريكي يقول “يمكنك أن تقود الحصان إلى الماء لكن لا يمكنك إجباره على الشرب”
فهل ستكسر إدارة ترامب هذه القاعدة التي يرسيها هذا المثل الأمريكي فتسوق خيول طهران إلى مياه الخليج وتجبرها على الشرب منه؟؟!!
هذا ما ينتظر العالم بأسره رؤية كيفية تحقيقه على يد الكاوبوي الأمريكي.

شارك هذا الخبر