أثير- محمد حسن
يصدر غدًا ٢٥ أغسطس كتاب جديد للمؤرخ البريطاني سيمون صباغ مونتيفيوري، تحت عنوان “المرجل: صناعة الشرق الأوسط الجديد” (The Cauldron: The Making of the Modern Middle East). يستعرض الكاتب فيه التاريخ المضطرب للمنطقة وصولاً إلى الصراع الحالي بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وما يحمله للمستقبل، وقد أفصح الكاتب عن بعض ما فيه من خلال بودكاست (The Rachman Review).
يوضح الكتاب الجديد لمونتيفيوري، أن أزمة السويس عام 1956 مثلت نهاية الدور القيادي لبريطانيا في الشرق الأوسط، لكن المنطقة مرت على مدى القرن الماضي بعدة حقب مختلفة فرضت فيها قوى متباينة سيطرتها.
هل يغلي “المرجل” من جديد في الوقت الراهن؟
يعتقد الكاتب أنّ “المرجل” يمثل وصفاً دقيقاً لطبيعة الشرق الأوسط، كونه يمثل جسراً ومفترق طرق، ولأنه، أي الشرق الأوسط، يمتلك شبكة معقدة ومتشابكة من الطوائف والأعراق والأيديولوجيات والأديان.
يبدأ الكتاب بسقوط الإمبراطورية العثمانية، مفرقاً بين عدة مراحل للإمبراطورية العثمانية، التي كان لها العديد من التجليات، كالإمبراطورية الرومانية. والتي كانت قادرة على ضمان نظام معين في بعض الأوقات ولكنها انتهت بإبادة جماعية ذات طابع فاشي مع الأرمن والموارنة ويونانيي البنطس، لكن الأمر بدأ فعلياً في ثمانينيات القرن التاسع عشر مع السلطان عبد الحميد، الذي كان، أقوى رجل في الشرق الأوسط، وقد حاول إعادة تمكين الإمبراطورية العثمانية من خلال تأليب الأعراق ضد بعضها البعض، ومن خلال تسليح الأكراد في أفواج خاصة لاضطهاد الأرمن واليونانيين. لقد كان في الواقع يتفاعل ضد فترة “التنظيمات”، والتي كانت فترة من التسامح بدأت فعلياً في عام 1839. وبحلول عام 1860، اندلعت حرب أهلية بين الدروز والمسيحيين في لبنان وسورية، والتي انتهت بمذابح عام 1860، حيث قُتل 20 ألف مسيحي في شوارع دمشق.
عندما انهارت الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، كان هناك نوع آخر من التقسيم الإمبراطوري مع دخول البريطانيين والفرنسيين بموجب اتفاقية سايكس بيكو التي أبرمت في عامي ١٩١٥ و١٩١٦ لتقسيم الشرق الأوسط. ثم جاءت اتفاقيات جديدة بعد الحرب العالمية الأولى، وهي “سان ريمو” و“سيفر“، والتي شكلت تقسيماً أكثر راديكالية. وطُبقّ الانتداب على الشرق الأوسط والذي بموجبه، حصلت بريطانيا على فلسطين والعراق، وحصلت فرنسا على سوريا الكبرى التي شملت لبنان.
تساءل الكاتب عن حقيقة أن العرب هم الأغلبية في الشرق الأوسط، ومع ذلك لم تكن يوماً أي قوة عربية هي القوة المهيمنة على الإطلاق؟ فكانت تركيا، ثم بريطانيا، ثم أمريكا والآن إيران، فاليوم القوى الكبرى الثلاث المهيمنة في الشرق الأوسط لا تتحدث العربية على الإطلاق، وإنما تتحدث الفارسية والعبرية والتركية. لكن الشيء المثير للاهتمام بشأن قوى الشرق الأوسط الكبرى هو أنها جميعاً تجيد خوض الحروب: تركيا وإسرائيل وإيران. لكنها جميعاً في الواقع هشة للغاية. وجميعها يمكن أن تنهار بسهولة تامة.
كيف شكلت الحروب الشرق الأوسط
في البداية كان الشرق الأوسط خاضعاً لهيمنة العثمانيين مع قليل من النفوذ البريطاني. ثم هيمن البريطانيون والفرنسيون. ثم دخلنا حقبة ما بعد الاستعمار، وأصبح الجميع مستقلين بعد الحرب العالمية الثانية، استقلالاً فعلياً وكاملاً. وكان على الدول العربية تحمل المسؤولية، فقد امتلكوا زمام المبادرة لمدة 80 عاماً، أمّا بشأن القرارات التي اتخذوها لا يمكن إلقاء اللوم بالكامل على تخبط القوى الإمبراطورية، مهما كانت خرقاء أو جشعة.
جاءت لحظة تأسيس “إسرائيل” في عام 1948 كجزء لا يتجزأ في نظر الكاتب من مسار الدول التي أنشئت بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية. لقد زُرعت هذه الدولة الغريبة في المنتصف، ونحن نعيش في حالة اضطراب منذ ذلك الحين، حيث فقد 750 ألف عربي فلسطيني منازلهم وسمي هذا العام بالنكبة، وأصبحت “إسرائيل” دولة إقليمية، على الرغم من أن عرضها لا يتجاوز 9 أميال في أضيق نقطة لها.
وتحمل هذه الولادة في نظر مونتيفيوري تشابهًا كبيرًا مع لحظة تأسيس تركيا، حيث نرى ولادة أمة عرقية-دينية جديدة من رحم حرب شملت صراعاً عرقياً وحشياً وعمليات تهجير ضخمة وتبادل فعلي للسكان. فعند تأسيس تركيا في عام 1922، تم تبادل مليون شخص، ووقعت مذابح واسعة النطاق. ومن الواضح أن عام 1948 كان صدمة للدول العربية الجديدة، وتحول الأمر إلى حرب، حرب بقاء، فإذا نظرنا إلى الخريطة، الموجودة في الكتاب، سنجدها مقسمة إلى سبعة أجزاء، ولا يمتلك أي جزء منها المقومات التي تسمح له بالدفاع عنه أو وجوده كدولة قائمة بذاتها.
الانقسام الإسرائيلي والرهان الإيراني
تملك “إسرائيل” اليوم قوة جوية وأجهزة أمنية ذائعة الصيت، ولكن كل جزء آخر فيها تقريباً يعيش حالة من الفوضى العارمة، حيث تبدو في موقف تاريخي شديد الغموض. فمن ناحية، لم تكن أقوى مما هي عليه الآن ومع ذلك فهي ممزقة بانتقادات دولية هائلة، بما في ذلك الآن في الولايات المتحدة التي كانت داعمها الأهم، ويبدو أنها مجتمع منقسم داخلياً بشدة على حد قول الكاتب.
فشلت حكومة نتنياهو في امتلاك أي خطة للاستفادة من المكاسب والنجاحات العسكرية، التي تحقق بعضها. فالتحدي الأكبر الآن أمام الحكومات المستقبلية هو إيجاد طريقة لحفظ قوتها ونجاحاتها الجديدة قبل أن تؤدي إخفاقاتها الداخلية وانقسام المجتمع الإسرائيلي وفقدان الدعم في الخارج إلى تقويض تلك النجاحات الهشة، مما تركها في وضع ضعيف للغاية. وهذا هو تحديها الأكبر. إذ لا يمكنك بناء مجتمع ودولة بشكل دائم على أساس الحرب. والتحدي الاستراتيجي الآخر يتمثل بالعملية الحالية لإعادة رسم الخرائط وخطوط أنابيب الطاقة في الشرق الأوسط ومواقع الموانئ، التي كان ينبغي إعادة رسمها قبل سنوات بحسب الكاتب.
المشكلة تكمن في أسباب عدم تنفيذ ذلك من قبل، حيث كان العراق تحت حكم صدام ثم تلت ذلك سنوات من الحرب. ثم هناك مشكلة إسرائيل، لأن الخيار البديهي كان تنفيذ ما خطط له البريطانيون دائماً، وهو مد خطوط أنابيب من العراق إلى حيفا، وهذه الفكرة موجودة فعلياً في خريطة اتفاقية سايكس-بيكو-سازونوف. وإسرائيل هي الحلقة المفقودة في كل هذا. وبالطبع لا يمكن أن يحدث هذا في ظل وجود حكومات إسرائيلية متطرفة تؤمن بالتفوق العرقي، وتفتقر إلى الاتزان، ولا تكترث بهذا النوع من الأمور لأن تفكيرها منصب حصراً على نهاية الزمان المسيانية.
بينما يرى الكاتب أن إيران يمكن أن تخرج من الوضع الحالي قوية إلى حد ما، وربما تسيطر على مضيق هرمز، نظراً لحالة الحوكمة والتقلبات الحادة والجنونية في الولايات المتحدة في الوقت الحالي، لذلك يمكن أن تبرز إيران كقوة بالغة التأثير. فلقد تمرست على خوض هذه الحرب منذ الثمانينيات، ودرس الإيرانيون بعناية ما حدث للأمريكيين في العراق، كما درسوا كيف تمكن الشاه من أن يصبح “شرطي مضيق هرمز”. ثم ببساطة عندما يدرسون السياسة الأمريكية يمكنهم أن يجدوا بسهولة أنّ مشكلة هذه الديمقراطيات، حتى في أفضل أوقاتها، هي تغيير الحكومات كل أربع سنوات. إذ يأتي شخص جديد، ويناقض سلفه، ويمثل ترامب حالة متطرفة في ذلك إذ يبدو أن ترامب يغير سياساته كل أسبوع عدة مرات، بل يغيرها عدة مرات في الليلة الواحدة. ولذلك يحمل الإيرانيون ازدراءً مطلقاً له، وللطريقة التي يتفاوض بها.
اللاعبون جميعهم على مسرح واحد
يناقش الكاتب أننا ربما بدأنا نشهد نهاية الهيمنة الامريكية في الشرق الأوسط، لكنه يعتقد أن أمريكا، متى أرادت، ستكون قادرة على ممارسة المزيد من النفوذ في الشرق الأوسط، لأن الروس سيكونون ضعفاء للغاية، والصينيين لديهم نموذج مختلف لكيفية الهيمنة على العالم وإدارة سياستهم الخارجية. ولدى الأمريكيين جيش ضخم يسعدهم استخدامه في بعض الأحيان، كما نرى. لكن في غضون ذلك، لن يثق أحد في أمريكا بشكل كامل مرة أخرى. وكل القوى، ستقوم بالتحوط لأنفسها بشتى الطرق. وأحد الأشياء التي شهدناها، والتي أفرد لها الكاتب فصل مهم من كتابه، هو تقارب كل مسارح العمليات.
يرى الكاتب أنه لن تكون هناك فجوة بين شرق أفريقيا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، وما كان يُسمى بـ (أفباك - أفغانستان وباكستان)، والهند، وباكستان. سوف تندمج مسارح عملياتها جميعها، كما بدأت تتداخل حرب أوكرانيا مع حرب إيران.
توقع الكاتب في السنوات العشر القادمة، وربما في الأشهر القليلة المقبلة، أننا سنرى قوات روسية وأوكرانية في جميع أنحاء الشرق الأوسط بطرق مختلفة. كما سنرى قوات هندية وباكستانية. وقد نرى قوات إسرائيلية في أماكن مفاجئة. حيث أشار إلى أن الإسرائيليين ينتشرون خارج حدودهم، وهناك حاميات باكستانية وتركية، وهناك مستشارون أوكرانيون في المنطقة. لذا فإن كل هذا يحدث الآن، وسيحدث جنباً إلى جنب مع تحدٍ هائل لنظام الدول الذي رسمته القوى الغربية والأمم المتحدة. كما إنه يحدث في منطقة الساحل، ويحدث بالفعل في ليبيا، لكنه يتوقع أننا سنشهده في جميع أنحاء المنطقة.
وينتهي إلى أننا بحاجة إلى إيجاد اسم جديد للشرق الأوسط. فالمرجل لن يتوقف عن الغليان في أي وقت قريب.
ما يزال الشرق الأوسط لم يقل كلمته الأخيرة بعد
برأيي الشخصي، تنطلق الكثير من التحليلات من القشرة المعقدة للشرق الأوسط، وسط محاولات مستمرة لتفخيخ هذه القشرة والبناء على ركامها وسط حالة من الذهول السياسي، فيما يشبه كتابة الأحلام التي فتح بابها على مصراعيه انهيار العراق وسورية، الدولتين المركزيتين في المنطقة، إذ مثل انهيارهما انهيار ركيزة من ركائز النظام العالمي فإذا تشظت هاتان الدولتان نكون قد دخلنا رسمياً في عصر الفوضى، وانتهى نموذج الدولة الوطنية-القومية (الوستفالية) الذي حكم العالم منذ عام ١٦٤٨. وهو ما تؤكده مقولة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون فوستر دالاس في عهد الرئيس داويت إيزنهاور عن سورية، “بأنها موقع حاكم في الشرق الأدنى. إنها أكبر حاملة طائرات ثابتة على الأرض. في هذا الموقع الذي هو نقطة التوازن تماماً في الإستراتيجية العالمية...وهذا موقع لا يجازف به أحد...ولا يلعب فيه طرف”. فهي نقطة توازن الاستراتيجيات الكونية، فلم يسبق لأزمة أخرى أن سرعت من تظهير ملامح صورة العالم الجديد كما هي عليه الآن.






