الحرب الأمريكية الإيرانية: نصف عام من المراوحة

عن الكاتب

الركابي حسن يعقوب
الركابي حسن يعقوب

كاتب وصحفي سوداني

الحرب الأمريكية الإيرانية: نصف عام من المراوحة
الحرب الأمريكية الإيرانية: نصف عام من المراوحة
أثير- الركابي حسن يعقوب
بعد ستة أشهر من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي تخللتها فترات هدنة وتفاوض متقطعة ومناوشات هنا وهناك وتراشقات كلامية وتهديدات ووعيد وخروقات خاصة من قبل الجانبين الأمريكي والإسرائيلي، واليوم ومع دخول الحرب شهرها السابع يبدو المشهد ضبابياََ وتبدو الأزمة في حالة مراوحة وتأرجح وأقرب إلى الجمود، وتزداد حالة عدم اليقين اتساعاََ وتنداح تأثيراتها بشكل متسارع لتغطي مساحة أكبر بسبب إعلان أمريكا حربها الاقتصادية على إيران والتي وصفها الرئيس ترامب بأنها “أعظم عزل اقتصادي منسق في تاريخ العالم”.
فمن مظاهر مراوحة الأزمة مكانها لجوء أمريكا إلى خيار الحرب الاقتصادية وهو خيار قديم ليس بجديد عهدته إيران وتمرست على مقاومته بطرق شتى طوال ما يزيد عن أربعة عقود، و استطاعت تجنب كثير من تأثيراته السالبة وأخفقت أيضاً في الإفلات من تداعياته الضارة التي أصابت اقتصادها في مفاصله الرئيسية والمهمة.
المشهد الحالي للصراع الأمريكي الإيراني يعكس وضعاََ يقوم على معادلة صفرية وتحدياََ متبادلاََ لا مجال فيه لإمكانية الوصول لأنصاف الحلول أو القبول بالتسوية القائمة على التنازل المتبادل.
أمريكا تصر على التصعيد بالحرب الاقتصادية لخنق إيران، وترفض تماماً ليس فقط فكرة العودة إلى مذكرة التفاهم، بل ترفض حتى مبدأ اللجوء للتفاوض مع إيران مرة أخرى وترى أنه لا جدوى من التفاوض، وتعول كثيراً على خيار الحرب الاقتصادية التي تريد بها إخضاع إيران وهنا نقطة مهمة تزيد الوضع تعقيداََ وهي أن واشنطن لا تهدف من وراء خيار الحرب الاقتصادية إجبار طهران للعودة للتفاوض، وإنما تهدف من وراء ذلك إلى جعلها تستسلم وتقبل مذعنة بالشروط الأمريكية، بعبارة أخرى فإن واشنطن قد أغلقت باب التفاوض مع إيران وقالها ترامب مراراََ وتريد واشنطن إملاء شروطها الأحادية على إيران بإحكام الخناق الاقتصادي عليها بحيث لا تجد طهران بداََ من رفع الراية البيضاء، كما لو أنها قد هزمت عسكرياََ على أرض المعركة، أي أن واشنطن تريد تحقيق نفس هدف الخيار العسكري عن طريق الحرب الاقتصادية.
وما يجعل الوضع يزداد خطورة وتأزماََ هو أن هذا الخيار أصبح هو الملاذ الأخير لواشنطن، فالخيار العسكري قد فشل تماماً في تحقيق الهدف رغم قوته وشراسته وقسوته ، وهو أمر يُرَد بصورة أساسية إلى الجغرافيا السياسية لإيران وإلى القصور الواضح في العقيدة القتالية للجيش الأمريكي الذي يقوم على التركيز على سلاح الجو والقصف من بعد، وتجنب وتفادي المواجهة البرية المباشرة، وهي بهذا الوصف عقيدة قتالية منقوصة ومعطوبة بالنظر إلى أهمية المواجهة البرية في الحروب والتي تعد العامل الحاسم الذي يقود إلى النصر أو الهزيمة.
ولهذا السبب فإن واشنطن رمت بالخيار العسكري وراء ظهرها بعد أن استنفذت أدواته وبلغ استخدامها له الحد الأقصى ولم يعد هناك ما يمكن فعله لتغيير المعادلة لصالحها، وبالتالي فإن لجوئها للخيار الاقتصادي هو لجوء مصيري ولا تملك واشنطن خياراََ بديلاََ فعالاََ له يحل محله، ولهذا السبب ستمضي فيه إلى أبعد نقطة فيه ولن تتراجع عنه ولو كلفها ذلك الكثير.
وبالمقابل، فإن طهران تبدو متحفزة جداََ لمواجهة الحرب الاقتصادية، ومقاومتها بأساليبها ووسائلها التي خبرتها من قبل وقبلت التحدي بالإصرار على التمسك بموقفها الرافض للإذعان والاستسلام، وترى انها قادرة على إلحاق الهزيمة بواشنطن في هذه الحرب الاقتصادية، وتراهن بشدة على تماسك الجبهة الداخلية والصبر على آثار الحرب الاقتصادية لتخطيها رغم وجود أصوات في كابينة القيادة السياسية في النظام تعلو أحياناََ محذرة من عواقبها، وترسل رسائل تحمل مضامين تشير إلى إمكانية العودة للتفاوض على أساس مذكرة التفاهم الموقعة مع الجانب الأمريكي.
ويبدو المشهد مرتبكاََ والمواقف مختلطة ومتباعدة، فكل طرف يرى أنه منتصر على خصمه لا محالة وكل طرف يعلن أنه يتسيد الموقف ويملك زمام المبادرة، أمريكا على لسان رئيسها ترامب تقول أنها تسيطر على مضيق هرمز بالكامل بل تقول أن المضيق أصبح إقليماََ أمريكيا وأنه مفتوح والملاحة فيه تسير بصورة طبيعية وسلسة، وإيران بالمقابل تقول أنها تحكم سيطرتها الكاملة على المضيق وأنه مغلق وأن الملاحة فيه تخضع لترتيباتها ونظمها، مواقف متناقضة تماماً يستعصي على المراقب والمحلل معرفة حقيقتها على نحو واضح.
وأمام إصرار كل طرف على موقفه ورهانه على عوامل ذاتية تقوده إلى النصر على الطرف الآخر، فإن السؤال المنطقي الذي يَرِد إلى الأذهان ويلح ويلحف في طلب الإجابة هو ماذا لو فشل رهان كل طرف؟ بعبارة أخرى مفصلة ماذا لو فشلت إيران في الصمود أمام طوفان الحرب الاقتصادية الأمريكية.. ؟؟، وماذا إذا فشلت أمريكا في تحقيق هدفها من حربها الاقتصادية وخسرتها.. ؟؟
لا أتصور أن يغيب هذا السؤال عن صناع القرار في الجانبين، لكن يبدو أن الإجابة رغبوية تؤكد النجاح وتستبعد الفشل.
أمريكا تبدو واثقة من انتصارها في حربها الاقتصادية، وإيران هي الأخرى تبدو واثقة من قدرتها على مقاومتها وإفشالها وهنا تكمن العلة، فلما كانت الحرب الاقتصادية “معادة” ومجربة فإن طهران تبدو كحارس مرمى كرة قدم اعتاد على صد ركلة جزاء تصوب نحو نفس الزاوية في كل مرة وبالتالي فهو واثق من قدرته على صدها اعتماداََ على خبرته السابقة وما جرت عليه العادة، لكنه لم يتساءل “ماذا لو غير الخصم زاويته”!!
وبالمقابل فإن واشنطن واثقة من انتصارها اعتماداََ على أنها ستغير الزاوية ولن تصوب نحو الزاوية التي اعتادت على التصويب عليها لأن الحارس الإيراني سيركز على الزاوية القديمة، لكنها لم تتساءل ماذا لو ركز الحارس الإيراني على الزاوية الجديدة!!
إن المطلوب من كلا الطرفين التخلي عن هذا الرهان الذي هو أشبه بالمقامرة، والإقبال على التفاوض واللعب النظيف والاحترافي وفقاً لقواعد اللعب المرعية والوصول إلى مرمى الخصم بالنقلات الذكية القانونية تحت إمرة طاقم الحكام (الوسطاء) والقبول بالنتيجة تجنيباََ للمنطقة من عواقب وخيمة وكارثية لن يقتصر أثرها الضار على الأطراف وحدها.

شارك هذا الخبر