كيف ترسم سلطنة عُمان حضورها الاقتصادي في أفريقيا؟

تقود سلطنة عُمان حضورًا اقتصاديًا متنوعًا في بوتسوانا وأنغولا وتنزانيا، مدعومًا باستثمارات في الطاقة والتعدين والتمويل والأمن الغذائي والخدمات اللوجستية.

عن الكاتب

أمين بركة
أمين بركة

صحفي‏ وكاتب محتوى

 كيف ترسم سلطنة عُمان حضورها الاقتصادي في أفريقيا؟
كيف ترسم عُمان حضورها الاقتصادي في أفريقيا؟
أثير- أمين بركة
لم يعد الحضور الاقتصادي لسلطنة عُمان في القارة الأفريقية يقتصر على البحث عن فرص استثمارية أو توقيع مذكرات تفاهم، بل بدأ خلال السنوات الأخيرة يأخذ شكلًا أكثر تنوعًا، يمتد من الطاقة والتعدين إلى التمويل والغذاء والثروة السمكية والخدمات اللوجستية.
وتكشف التحركات العُمانية في دول مثل بوتسوانا وأنغولا وتنزانيا عن مسارات مختلفة للحضور الاقتصادي؛ ففي بوتسوانا تبرز الطاقة والتعدين والوقود، بينما يحتل التعدين والتمويل والطاقة موقعًا متقدمًا في أنغولا، في حين تمثل الزراعة والأمن الغذائي والثروة الحيوانية والسمكية محورًا أساسيًا في العلاقة مع تنزانيا.
وخلف هذه الاستثمارات، يبرز جهاز الاستثمار العُماني بوصفه إحدى الأدوات الرئيسية لتوسيع الاستثمارات الخارجية وتنويعها جغرافيًا وقطاعيًا، إلى جانب شركات ومؤسسات عُمانية تعمل في الطاقة والتعدين والغذاء والتمويل والتصدير، بما يتوافق مع توجهات سلطنة عُمان لتنويع مصادر الدخل والاستثمار ودعم مستهدفات “رؤية عُمان 2040”.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد الاتفاقيات التي وقعتها مسقط مع شركائها الأفارقة، وإنما بما انتقل منها إلى مراحل أكثر عملية: ما الذي بدأ تنفيذه؟ وما الذي لا يزال في مرحلة التطوير والاستكشاف؟ وهل تتجه سلطنة عُمان تدريجيًا نحو بناء استراتيجية اقتصادية أوسع في القارة؟

لماذا أفريقيا؟

تأتي القارة الأفريقية في تقاطع عدد من المصالح الاقتصادية العُمانية؛ فمن جهة، تبحث سلطنة عُمان عن تنويع جغرافي لاستثماراتها الخارجية، ومن جهة أخرى توفر أفريقيا فرصًا واسعة في قطاعات تحتاج إلى رؤوس الأموال والخبرات، خصوصًا الطاقة والبنية الأساسية والزراعة والتعدين والخدمات اللوجستية.
وتكتسب مسألة الأمن الغذائي أهمية خاصة في هذا السياق؛ إذ تمتلك دول أفريقية، ومنها تنزانيا وأنغولا، مساحات زراعية واسعة وموارد مائية وثروة حيوانية وسمكية يمكن أن تشكل قاعدة لسلاسل إمداد غذائية تمتد إلى الأسواق الخليجية.
كما أن الموارد الطبيعية، بما فيها المعادن والطاقة، تمثل عامل جذب آخر للاستثمارات، في وقت تسعى فيه دول العالم إلى تأمين مصادر جديدة للمعادن والطاقة وتنويع سلاسل التوريد.
ولا تقتصر المعادلة على ما تملكه أفريقيا، إذ تمتلك عُمان بدورها عناصر تجعلها شريكًا في هذه المنظومة، خصوصًا الموانئ والمناطق الاقتصادية والخبرة في الخدمات اللوجستية والطاقة والتجارة وإعادة التصدير.

بوتسوانا.. حين تتحول الاتفاقيات إلى مشاريع

تقدم بوتسوانا أحد أوضح النماذج على انتقال التعاون الاقتصادي العُماني–الأفريقي من إطار التفاهمات إلى مشاريع بدأت تأخذ شكلًا تنفيذيًا.
ففي نوفمبر 2025، وضعت سلطنة عُمان وبوتسوانا إطارًا موسعًا للتعاون في قطاع الطاقة، يستهدف تطوير مشروعات تصل قدرتها الإجمالية إلى 3 جيجاواط، إضافة إلى إقامة منشأة لتخزين النفط الخام على الساحل في ميناء “والفيس باي” الناميبي، بما يضمن تأمين الإمدادات النفطية وتلبية الاحتياجات المحلية والإقليمية.
إلى جانب ذلك، تضمنت التفاهمات بناء محطة تخزين داخلية في منطقة “تشيلي هيلز”، لتعزيز شبكة التوزيع الوطنية وضمان استقرار الإمدادات، فضلا عن وضع إطار للتعاون في استكشاف وتطوير المعادن.
وفي منتصف أبريل 2026، اتسع نطاق التعاون خلال زيارة رئيس بوتسوانا دوما بوكو إلى سلطنة عُمان، التي وقع أثنائها مجموعة من الاتفاقيات شملت استكشاف المعادن، وتطوير وتشغيل مرافق لتخزين المنتجات النفطية، وتطوير وإنشاء وتمويل محطة للطاقة الشمسية.
وبعد ثلاثة أيام فقط من التوقيع، أقيمت في مدينة ماون مراسم وضع حجر الأساس لمشروع محطة طاقة شمسية كهروضوئية باستطاعة 500 ميغاواط، مدعومة بنظام لتخزين الطاقة بالبطاريات بقدرة مماثلة.
ويُنفذ المشروع عبر شركة “أو-جرين”، التابعة لجهاز الاستثمار العُماني، بالتعاون مع مؤسسة بوتسوانا للطاقة، ويستهدف مضاعفة القدرة التوليدية الحالية لبوتسوانا.
ولا يقتصر الحضور العُماني في قطاع الطاقة على الكهرباء؛ إذ وقعت مجموعة “أوكيو” العُمانية وشركة “بوتسوانا أويل” اتفاقية لتعزيز التعاون في قطاع الطاقة.
وتشمل مجالات التعاون دراسة إنشاء منصة متكاملة تضم حلول الاستيراد والتخزين والمخزونات الاستراتيجية ومنشآت التوزيع، إلى جانب ترتيبات محتملة لتوريد المنتجات النفطية.
وفي التعدين، شملت الاتفاقيات تعاونًا بين شركة تنمية معادن عُمان والجهة المعنية بالاستكشاف في بوتسوانا، بما يفتح المجال أمام الشركات العُمانية للمشاركة في استكشاف الموارد المعدنية في واحدة من الدول الأفريقية الغنية بالمعادن.
وهكذا، تبدو بوتسوانا نموذجًا يجمع بين الطاقة والمعادن والبنية الأساسية المرتبطة بالوقود، مع وجود مشروع للطاقة الشمسية انتقل إلى خطوة تنفيذية واضحة، في حين لا تزال بعض المسارات الأخرى في مراحل التطوير والاستكشاف.

أنغولا وعُمان.. بنك استثماري بوابة للتمويل والتوسع في التعدين

في أنغولا، يأخذ الحضور الاقتصادي العُماني مسارًا مختلفًا، مع بروز التعدين إلى جانب التمويل والطاقة، فخلال زيارة الرئيس الأنغولي جواو لورينسو إلى مسقط في ديسمبر 2024، وقع الجانبان اتفاقًا يتعلق باستحواذ جهاز الاستثمار العُماني على حصة في عمليات التعدين في منجمي الألماس “كاتوكا” و“لولي“.
ويمثل هذا المسار تحولًا مهمًا في طبيعة الحضور العُماني، إذ يرتبط الاستثمار مباشرة بأحد أهم موارد أنغولا الطبيعية، ويمنح عُمان موطئ قدم في قطاع الألماس الأفريقي.
لكن التعاون لم يتوقف عند التعدين، بل توسع ليشمل الطاقة النظيفة والتكنولوجيا والسياحة والزراعة والأمن الغذائي والنقل والخدمات اللوجستية والموانئ.
وفي القطاع المالي، وقع الجانبان مذكرة تفاهم تتعلق بالمبادرات المالية الاستراتيجية وتسهيل التجارة البينية، وأعقب ذلك تدشين جهاز الاستثمار العُماني بنكًا استثماريًا في العاصمة لواندا.
ويعمل البنك كجسر مالي للشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات الحكومية والشركات المحلية الكبرى العاملة في أنغولا، إلى جانب دعم دخول الاستثمارات العُمانية والخليجية إلى الأسواق الأفريقية.
ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية في ضوء ما يقوله أنطونيو دينيس مينديز، الرئيس التنفيذي للبنك الأفريقي العُماني، الذي أكد لـ“أثير” أن البنك أنشئ أساسًا ليكون جسرًا ماليًا بين منطقتي مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي ومجلس التعاون الخليجي.
وبحسب مينديز، فإن البنك، الذي يتخذ من لواندا مقرًا له ومدعومًا برأس مال سيادي عُماني، يستهدف أن يكون المؤسسة التي تلجأ إليها الشركات العُمانية والخليجية عند دخول السوق الأنغولية، وكذلك الشركات الأنغولية الراغبة في الوصول إلى رأس المال والأسواق الخليجية.
ويشمل ذلك هيكلة تمويل التجارة، وترتيب التسهيلات الائتمانية، وتقديم الاستشارات المتعلقة بالصفقات، إلى جانب توفير العلاقات المصرفية والمعرفة المحلية التي تجعل الاستثمارات العابرة للحدود قابلة للتنفيذ.
ويشير مينديز إلى وجود خمس قطاعات تبرز بصورة خاصة أمام المستثمرين العُمانيين في أنغولا، وهي:
  • المعادن الحيوية والتعدين.
  • الطاقة.
  • الزراعة والأمن الغذائي.
  • البنية الأساسية والخدمات اللوجستية.
  • السياحة.
ويشير إلى أن إمكانات أنغولا التعدينية تتجاوز الألماس إلى احتياطيات معدنية أخرى لا تزال غير مستغلة بصورة كاملة، بينما توفر الطاقة، خصوصًا الغاز والطاقة المتجددة، مجالًا آخر للاستثمار.
وفي الزراعة، تمتلك أنغولا أراضي واسعة صالحة للزراعة وموارد مائية، بما يتقاطع مع أولويات الأمن الغذائي الخليجية ويفتح المجال أمام إنتاج الحبوب والثروة الحيوانية والتصنيع الزراعي.
أما البنية الأساسية واللوجستيات، فتتصل بفرص تطوير المناطق الصناعية والمناطق الحرة، في حين تبرز السياحة باعتبارها قطاعًا يمتلك إمكانات ساحلية وطبيعية لا تزال غير مستغلة بالشكل الكافي.
ويشدد مينديز على أن البنك الأفريقي العُماني يعمل على هيكلة الصفقات مع أنغولا بما يراعي المتطلبات الأنغولية وتوقعات المستثمر الخليجي، وتوفير أدوات تمويل التجارة مثل خطابات الاعتماد والضمانات، إلى جانب توفير شريك محلي للمستثمر.
ويوضح أن البنك يعمل على عدد من المهام المتعلقة بأنغولا، تشمل معاملات لتمويل التجارة ودعم الواردات الزراعية، والاستشارات بشأن مشروع للبنية التحتية في لواندا، إلى جانب بناء علاقات مع شركات أنغولية في قطاعات الطاقة والتعدين والتجزئة والاتصالات.
أما في قطاع الطاقة، فتبحث وزارة الموارد المعدنية والنفط والغاز الأنغولية مع مجموعات طاقة عُمانية فرصًا مشتركة لاستكشاف النفط والغاز وتطوير مشاريع الطاقة المتجددة.
وبذلك، تبدو أنغولا أقرب إلى نموذج استثماري متعدد القطاعات، تتقاطع فيه الموارد الطبيعية مع التمويل والطاقة والتجارة والبنية الأساسية.

تنزانيا.. من العلاقات التاريخية إلى شراكات واعدة

إلى جانب العلاقات التاريخية التي ربطت عُمان بزنجبار والمحيط الهندي، تطورت خلال السنوات الماضية بنية اقتصادية ومؤسسية تسعى إلى تحويل هذه الروابط إلى تجارة واستثمارات ومشروعات.
بدأ هذا المسار بصورة مؤسسية مع إنشاء اللجنة العُمانية–التنزانية المشتركة في أكتوبر 2009، ثم إنشاء مجلس رجال الأعمال العُماني–التنزاني عام 2012، بهدف تطوير العلاقات وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، والترويج للاستثمار وتسهيل الأعمال.
وفي أكتوبر 2013، وقعت عُمان وتنزانيا اتفاقية التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمار، قبل أن يفتتح جهاز الاستثمار العُماني مكتبه في دار السلام عام 2015 لمتابعة الاستثمارات العُمانية في تنزانيا.
وشكلت هذه الخطوات البنية القانونية والمؤسسية للعلاقة، لكن نقطة التحول الأبرز جاءت في 12 يونيو 2022، خلال زيارة الرئيسة التنزانية سامية صولوحو حسن إلى سلطنة عُمان.
وخلال الزيارة، وقع الجانبان حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات اقتصادية واستثمارية متعددة، كان من أبرزها الاتفاق على إنشاء صندوق استثماري مشترك لتمويل مشروعات ذات جدوى للبلدين، في قطاعات بينها الزراعة والصيد البحري والتعدين.
كما وقعت اتفاقية لتجنب الازدواج الضريبي ومنع التهرب الضريبي، إلى جانب مجموعة من الاتفاقيات بين مؤسسات وشركات البلدين.
وفي القطاع الغذائي تحديدًا، وقعت الشركة العُمانية للاستثمار الغذائي القابضة مذكرة مع جمعية البستنة التنزانية، فيما وقعت شركة البشائر للحوم مذكرة مع الشركة التنزانية الوطنية للحيوانات الحية. كما وقع جهاز الاستثمار العُماني مذكرة مع هيئة ترويج الاستثمار في زنجبار.
كما يبرز الاستثمار في الغذاء، كون مصالح البلدين تتقاطع في هذا القطاع بصورة واضحة، فتنزانيا تمتلك قاعدة واسعة في الزراعة والثروة الحيوانية والمنتجات البستانية والثروة السمكية، بينما تنظر سلطنة عُمان إلى الاستثمار الغذائي باعتباره جزءًا من منظومة الأمن الغذائي وتنويع مصادر الإمداد.
لذلك لم يتوقف التعاون عند إنتاج المحاصيل، وإنما امتد إلى البستنة واللحوم والحيوانات الحية والثروة السمكية والاستزراع السمكي، إضافة إلى سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية المرتبطة بالغذاء.
وبعد اتفاقيات 2022، عقد البلدان في ديسمبر من العام نفسه الدورة الثانية للجنة العُمانية–التنزانية المشتركة، مع تأكيد الجانبين أهمية متابعة ما تم الاتفاق عليه ودفع التعاون في الطاقة والسياحة والثروة السمكية واللوجستيات.
واستضافت مسقط في سبتمبر 2024 منتدى الأعمال العُماني–التنزاني، بمشاركة أكثر من 150 مشاركًا من تنزانيا، ووقع سبع مذكرات تفاهم في قطاعات شملت الإنشاءات والعقارات والزراعة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة المتجددة وخدمات الاستثمار والاستشارات في تنزانيا وزنجبار.
وفي ديسمبر 2024، وقعت عُمان وتنزانيا اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي ومنع التهرب الضريبي، قبل صدور المرسوم السلطاني بالتصديق عليها في مارس 2025.
وتضيف هذه الاتفاقية أداة أخرى إلى البيئة الاستثمارية بين البلدين، إلى جانب اتفاقية حماية الاستثمار واللجنة المشتركة ومجلس رجال الأعمال وحضور جهاز الاستثمار العُماني والصندوق الاستثماري المشترك.
وفي سبتمبر 2025، بدأت العلاقة تأخذ منحى أكثر ارتباطًا بالقطاع الخاص، بعد توجه وفد تجاري عُماني ضم 22 رجل أعمال إلى تنزانيا لاستكشاف فرص في الطاقة والزراعة والثروة السمكية والسياحة واللوجستيات، وعقد لقاءات مع مسؤولين وشركات تنزانية وزار مناطق صناعية ولوجستية، إضافة إلى برنامج في زنجبار.
وفي يوليو 2026، عقد منتدى الأعمال العُماني–التنزاني على هامش معرض دار السلام التجاري، لمناقشة تعزيز التجارة والاستثمار وتكوين شراكات جديدة بين الشركات وفهم إجراءات الاستيراد والتصدير.
ولاحقا، بحث فريق ترويج المنتجات العُمانية “أوبكس” إمكانية إيجاد وكلاء وموزعين للمنتجات العُمانية في السوق التنزانية والأسواق المجاورة، بهدف زيادة الصادرات العُمانية.
وتكمن أهمية تنزانيا في إمكانية بناء علاقة تمتد عبر سلسلة غذائية واستثمارية متكاملة؛ فالدولة تمتلك قاعدة إنتاج زراعي وحيواني وسمكي واسعة، بينما تمتلك عُمان خبرة متنامية في الاستثمار الغذائي والموانئ والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير والوصول إلى أسواق الخليج.
وفي الاتجاه الآخر، تعمل السلطنة على توسيع منظومتها المحلية للأمن الغذائي؛ إذ بلغ عدد المشاريع الاستثمارية المنفذة في قطاعات الأمن الغذائي خلال الخطة الخمسية العاشرة 493 مشروعًا باستثمارات تقدر بنحو 1.9 مليار ريال عُماني، بينها 399 مشروعًا زراعيًا باستثمارات تقارب 806 ملايين ريال.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى التعاون مع تنزانيا باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع لتنويع مصادر الغذاء، والاستثمار في سلاسل القيمة، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات العُمانية.

من يقود الحضور العُماني في أفريقيا؟

لا يتحرك الحضور الاقتصادي العُماني في أفريقيا من خلال مؤسسة واحدة، بل عبر منظومة تتداخل فيها الأدوات الحكومية والاستثمارية والقطاعية.
ويأتي جهاز الاستثمار العُماني في مقدمة هذه المنظومة بوصفه الذراع السيادية للاستثمار الخارجي، إلى جانب شركات تعمل في الطاقة مثل “أوكيو”، ومؤسسات التعدين، وشركات الأمن الغذائي، والمؤسسات المالية، و“أوبكس” المعنية بترويج الصادرات، فضلًا عن القطاع الخاص.
وتوفر اللجان المشتركة ومجالس الأعمال والاتفاقيات الاستثمارية والأطر الضريبية والقانونية طبقة أخرى من البنية المؤسسية التي تسمح بانتقال العلاقات من المستوى السياسي إلى النشاط التجاري والاستثماري.
وهنا تظهر أهمية الحالة الأنغولية بصورة خاصة؛ فوجود مؤسسة مالية عُمانية على الأرض لا يضيف استثمارًا جديدًا فحسب، بل يوفر أداة يمكن استخدامها لتسهيل دخول استثمارات أخرى إلى السوق.

ماذا يقول المختصون عن التوجه العُماني نحو أفريقيا؟

لا يرى نضال شعوى، المستشار في الاستثمار والعلاقات الحكومية في أفريقيا والرئيس التنفيذي لـ“Africa Business Club Consultancy”، أن التوجه العُماني نحو القارة مجرد بحث عن أسواق جديدة، بل يعتبره توجهًا منطقيًا بالنظر إلى طبيعة الفرص الموجودة في أفريقيا وما تمتلكه عُمان من خبرات ورؤوس أموال وقدرات في قطاعات تحتاجها الأسواق الأفريقية.
ويقول شعوى لـ“أثير” إن أفريقيا قارة مليئة بالموارد والاحتياجات الاستثمارية، خصوصًا في البنية التحتية والطاقة والمياه والنقل والزراعة والصناعة، مشيرًا إلى أن هذه الاحتياجات تتحول تدريجيًا إلى مشاريع حقيقية يمكن للقطاع الخاص المشاركة فيها، خصوصًا من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص ونماذج مثل PPP وBOT.
ويرى أن هناك تكاملًا طبيعيًا بين ما تحتاجه أفريقيا وما تبحث عنه سلطنة عُمان في إطار تنويع اقتصادها واستثماراتها، لافتًا إلى خبرة عُمان ورأس مالها وقدراتها في الطاقة واللوجستيات والموانئ والتعدين والصناعة، وهي قطاعات تشهد طلبًا كبيرًا في دول أفريقية عديدة.
ويضيف شعوى أن عُمان لا تملك فقط ميزة اقتصادية، وإنما أيضًا ميزة جغرافية وتاريخية، إذ إن علاقاتها التجارية والتاريخية مع أفريقيا، إلى جانب موقع موانئها على المحيط الهندي، تمنحها فرصة للعب دور كحلقة وصل بين الخليج وأفريقيا وآسيا.
ويؤكد أن التكامل بين الموانئ العُمانية والموانئ الأفريقية يمكن أن يتحول إلى محور تجاري استراتيجي، خصوصًا مع ما تتمتع به موانئ مثل صلالة والدقم من موقع على المحيط الهندي.
ويقول إن الفرصة لا تكمن فقط في نقل البضائع من عُمان إلى أفريقيا، وإنما في بناء ممرات لوجستية متكاملة تجعل السلطنة مركزًا يربط رأس المال والصناعة والأسواق الخليجية بالأسواق الأفريقية.
لكن شعوى يحذر في الوقت نفسه من التعامل مع القارة باعتبارها مجموعة فرص منفصلة؛ فبرأيه، توجد فرص كبيرة في الطاقة والبنية التحتية والموانئ واللوجستيات والتعدين والصناعات التحويلية والزراعة والأمن الغذائي والمياه والاقتصاد الرقمي، إلا أن تحقيق نتائج أكبر يتطلب أن يكون التوجه نحو أفريقيا ضمن استراتيجية وطنية واضحة ومتكاملة، وليس فقط من خلال مبادرات منفردة لكل شركة.
ويشدد شعوى على أن أفريقيا “تحتاج إلى رؤية طويلة المدى وبناء علاقات وحضور مستمر”، معتبرًا أن عُمان توجهت إلى الاستثمار في أفريقيا ضمن رؤية استراتيجية تدعمها الدولة، وبالتنسيق مع المؤسسات المالية والاستثمارية والقطاع الخاص.
ويقول شعوى إن اختيار عمان للاستثمار في أنغولا وبوتسوانا وتنزانيا يعكس اهتمامًا بأسواق تمتلك موارد وفرصًا مهمة في التعدين والطاقة والأمن الغذائي واللوجستيات.
لكن الأهم، برأيه، هو أن تبني عُمان حضورًا قويًا ومستدامًا قبل التوسع التدريجي إلى أسواق أخرى، بما فيها غرب ووسط أفريقيا.
ويؤكد أن عُمان تتميز بالاستثمار النوعي والمركز، عبر اختيار أسواق محددة والتركيز على القطاعات التي تمتلك فيها مزايا تنافسية، مثل اللوجستيات والطاقة والصناعة، إلى جانب التعدين والأمن الغذائي.

ماذا تحقق على الأرض؟

عند النظر إلى التجارب الثلاث معًا، يمكن تقسيم الحضور الاقتصادي العُماني في هذه الأسواق إلى ثلاث دوائر متدرجة:
  1. تجارة قائمة
وتشمل حركة السلع والمنتجات، مع تحرك عُماني لزيادة وصول المنتجات إلى الأسواق الأفريقية عبر الوكلاء والموزعين والمنتديات التجارية.
  1. تعاون قطاعي يتجه إلى النشاط العملي
ويظهر في مشروعات الطاقة، واللحوم والحيوانات الحية، والبستنة، والاستزراع السمكي، والخدمات اللوجستية، إلى جانب البعثات التجارية والمنتديات الاقتصادية.
  1. استثمارات ومشروعات قيد التطوير والاستكشاف
وتشمل الزراعة واسعة النطاق والصيد والتعدين والطاقة وغيرها من القطاعات التي حددتها الاتفاقيات والصناديق الاستثمارية والشراكات بين المؤسسات.
والفارق هنا مهم؛ فبعض التحركات انتقل إلى خطوات تنفيذية، مثل مشروع الطاقة الشمسية في بوتسوانا، بينما لا تزال اتفاقيات أخرى في أنغولا وتنزانيا في مراحل التطوير أو البحث عن فرص وشركاء وتمويل.

جدول يوضح طبيعة الاستثمار العُماني في ثلاثة من دول أفريقيا

الدولةالقطاعات الأبرزطبيعة الحضور
بوتسوانا الطاقة، التعدين، الوقودمشروعات طاقة دخل بعضها مرحلة التنفيذ، إلى جانب اتفاقيات في التعدين والوقود
أنغولاالتعدين، الطاقة، التمويل، الزراعة، اللوجستياتاستثمارات ومؤسسات مالية وشراكات ومشروعات قيد التطوير
تنزايناالزراعة، الغذاء، الثروة الحيوانية والسمكية، اللوجستياتتجارة وشراكات ومذكرات تفاهم وتحرك متزايد للقطاع الخاص

الخلاصة

بناء على ما سبق، يتضح أن الاستثمار العُماني في بوتسوانا تتصدره الطاقة والتعدين، وفي أنغولا تتسع الصورة لتجمع الموارد الطبيعية بالتمويل والطاقة والبنية الأساسية، بينما الاستثمار في تنزانيا يمتد من الغذاء والزراعة والثروة السمكية إلى اللوجستيات والنفاذ إلى الأسواق.
وبذلك، فإن الحضور الاقتصادي العُماني في أفريقيا لم يعد يتحرك في مساحة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم فحسب، بل يتجه نحو حضور عملي يسعى إلى تحويل الفرص الأفريقية من أسواق محتملة إلى فضاءات فعلية للحضور، وربط القدرات والخبرات العُمانية بقطاعات تمتلك القارة فيها موارد وفرص نمو متزايدة.
هذا التحول العملي يترجم بشكل مباشر ركائز “رؤية عُمان 2040” الرامية إلى بناء اقتصاد ديناميكي متنوع ومندمج مع الاقتصاد العالمي، عبر تدويل الاستثمارات العُمانية وتأمين سلاسل التوريد والإنتاج في قطاعات حيوية كالأمن الغذائي، والتعدين، والخدمات اللوجستية، مما يرفع من تنافسية السلطنة على الخارطة الاقتصادية الدولية.

شارك هذا الخبر