أثير- إعداد: د. محمد بن حمد العريمي
لم تكن الرحلات البحرية التي ربطت ميناء صور العُماني بموانئ حضرموت مجرد حركة للسفن والبضائع بين ضفتي بحر العرب؛ فقد حملت معها شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية والمعارف الملاحية والخبرات البحرية التي تناقلها الربابنة والنواخذة جيلا بعد جيل، حتى غدا ميناءا صور والحامي نموذجًا لافتًا للتواصل البحري بين عُمان وحضرموت.
وتكشف دراسة بعنوان “التبادل الملاحي والمعرفي بين ميناءي صور العُماني والحامي الحضرمي” للباحث محمد علوي عبدالرحمن باهارون، رئيس جمعية إحياء التراث والثقافة والآثار وأمين متحف التراث البحري والشعبي، ومدير دار الحامي للدراسات والنشر وخدمة التراث بحضرموت، عن جوانب متعددة من هذه الصلات، مستندة إلى الرسائل والمخطوطات والرحمانيات البحرية والروايات التي حفظت جانبًا من تاريخ الملاحة التقليدية في المنطقة.
وتصف الدراسة صور والحامي بأنهما شكّلتا ما يشبه “توأم الملاحة العربية في المحيط الهندي”؛ إذ ظهر في الميناءين عدد من الربابنة الذين جمعوا بين المعارف الملاحية التقليدية والعلوم والأدوات الحديثة التي وصلت إلى المنطقة، وتركوا وراءهم مخطوطات ومرشدات بحرية تكشف حجم التفاعل العلمي بينهم.
تجارة عبر بحر العرب
ترجع العلاقات بين صور وحضرموت إلى قرون مضت، وكانت التجارة واحدة من أهم ركائزها؛ فالسفن الصورية تولّت نقل بضائع تجار حضرموت بين موانئ شرق إفريقيا والشحر والمكلا، وفي الاتجاه المقابل نقلت السفن الحضرمية بضائع تجار صور ومسقط من حضرموت وعدن إلى الموانئ العُمانية.
وتقدم المراسلات التجارية القديمة شواهد على هذه الشبكة التي كانت تربط موانئ الجزيرة العربية بشرق إفريقيا؛ إذ تشير إحدى الرسائل إلى التاجر سالم بن بكار باشراحيل في الشحر. كما توثق رسالة أخرى مؤرخة في 13 ذي القعدة 1298هـ إرسال عشرين “فراسلة” من السمن وعدد من أكياس البر من مقديشو على متن غنجة الشريف محمد بن علوي المهدلي.

وكانت السفن الصورية تصل إلى موانئ حضرموت والمهرة وهي تحمل أنواعًا من التمور التي تجلبها من البصرة ومن مزارع عُمان، إلى جانب بضائع محلية وأخرى مستوردة عبر الهند، وكان للتجار والبحارة الصوريين وكلاء تجاريون في عدد من الموانئ الحضرمية.
أما الحامي فكانت تمثل محطة مهمة لهذه السفن؛ إذ ترسو فيها لمعرفة أسعار سوق الشحر، وكذلك للتزود بالمياه من عيونها المعدنية الساحلية، إضافة إلى الوقود والخضروات والفواكه، ولهذه الأهمية ورد ذكر الحامي في بعض المرشدات البحرية العُمانية والكويتية بوصفها محطة للتزود بالماء.
السفينة نفسها كانت سلعة وجسرًا للتواصل
لم يقتصر التبادل التجاري على ما تحمله السفن، بل امتد إلى السفن ذاتها؛ فقد ارتبط الحضارمة بصناعة السفن الصورية واقتنائها، وفي مقدمتها الغنجة العُمانية التي اشتهرت بها صور، إلى جانب البقارة والبتيل والبدن.
وتذكر الدراسة عددًا من الغنجات التي امتلكها أهل الحامي بالشراء من أهل صور، ومنها “فلك الأمان” للنوخذة محمد بن علي باعباد، وغنجة الشيخ عبود بن بريك الحضرمي، التي انتقلت لاحقًا إلى النوخذة سعيد بن سعد بن عروة ثم إلى ابنه سعد، فعُرفت باسم “غنجة السعد”، إضافة إلى غنجات امتلكتها أسر باصالح والركن باعباد وباشحري.
وهكذا كانت السفينة في هذه العلاقة أكثر من وسيلة نقل؛ فهي سلعة تُباع وتُشترى، ووسيلة لتبادل البضائع، ومكان للعمل المشترك، ومدرسة متنقلة تنتقل فيها خبرات البحارة بين الموانئ.

عندما أصبح البحر مدرسة مفتوحة
يكشف الجانب المعرفي من العلاقة بين صور والحامي عن صورة ربما تكون أكثر أهمية من التجارة نفسها؛ إذ لم يحتكر الربابنة معارفهم البحرية، وإنما تناقلوها فيما بينهم عبر التدريب والمجالس والمخطوطات والتجربة العملية في البحر.
ومن الشواهد المهمة رواية الربان الحضرمي عبدالكريم سالم الكسادي عن مرحلة تعلمه “التربنة”، إذ كان خاله النوخذة محمد بن عمر الكسادي يرسله إلى بعض نواخذة صور عندما يلتقي بهم في مسقط والبصرة، ليتلقى منهم علومًا بحرية، من بينها القياس واستخراج ميل الشمس. ومن أبرز من تلقى عنهم النوخذة محمد بن علي والنوخذة خميس أبو خردوة.
وكانت مسقط إحدى أهم ساحات هذا اللقاء العلمي؛ فقد كانت مركزًا يتجمع فيه الربابنة العُمانيون، ومن بينهم معلمو القياس القادمون من صور، الذين اكتسبوا خبرة كبيرة في عبور المحيط الهندي والوصول إلى موانئه الشرقية، حتى إن أصحاب السفن اليمنية والحضرمية والخليجية كانوا يستعينون ببعضهم لقيادة السفن وإرشادها إلى موانئ مثل بومباي وكاليكوت.
وتشير الدراسة إلى أن مسقط شهدت كذلك مجالس بين الملاحين الحضارمة والعُمانيين، وبخاصة الصوريين والحاميين، كانت أشبه بـ“ندوات علمية بحرية” يتبادلون خلالها الآراء حول الملاحة، ويناقشون المسائل البحرية، بل ويفصلون في بعض المنازعات بين البحارة، ومن هذه اللقاءات جلسة عقدت في مكتب التاجر محمد الخنجي، عرض فيها الربان محمد عبدالله باعباد على مجموعة من مشاهير بحارة صور، ومنهم ناصر الخضوري وجمعة بن جويد ومحمد بن خاطر، فكرة سفره من مسقط إلى حضرموت في موسم عُدّ من أوقات غلق البحر.

الربان محمد بن عبدالله بن سالم باعباد

الربان ناصر بن علي الخضوري
علاقات تجاوزت الموانئ
بمرور الوقت تحولت العلاقات المهنية إلى صلات اجتماعية وإنسانية؛ فقد أقام بعض نواخذة صور في حضرموت فترات من حياتهم، وتزوج بعضهم فيها، ومن هؤلاء النوخذة عامر بن عيسى بن سالم الفارسي الجنيبي، الذي أقام فترة في الشحر، وتذكر الدراسة وجود أوقاف له على مساجدها عام 1246هـ/1830م. كما عُرف النوخذة جمعة الصوري بعلاقته القوية ببحارة الحامي وتزوج من أسرة باصالح، فيما كان النوخذة مبارك بن محمد بن مبارك بن جويد الغيلاني يتردد على موانئ اليمن وعدن وحضرموت، وتزوج في الشحر.
ومن الصور الأخرى لهذه العلاقات ما ارتبط بالربان الصوري سالم بن محمد بن سالم السناني، الذي تنقل بين عُمان والهند واليمن وإفريقيا والخليج، وأقام علاقات وثيقة مع ربابنة آل عيديد في الحامي، وكان ينزل ضيفًا في منزلهم، كما كانوا يصطحبونه مرشدًا وربانًا في رحلاتهم إلى الهند وشرق إفريقيا مستفيدين من خبراته البحرية.

الربان سالم بن محمد السناني
المعرفة الصورية تصل إلى مكتبات الحامي
لعل أحد أهم الأدلة المادية الباقية على عمق العلاقة بين الميناءين وجود مخطوطات ملاحية وضعها ربابنة من صور وحُفظت في مكتبات ربابنة الحامي، فقد عُرف أهل الحامي باهتمامهم بحفظ المتروكات البحرية من الرحمانيات والمرشدات والروزنامات والمدونات والأدوات، حتى عُد الميناء مستودعًا لتراث الربابنة والملاحين في حضرموت.
ومن أبرز تلك المخطوطات “نبهت الغافل في معرفة علم البحر وقواعده ومجاريه ومسافاته وأزوامه” للربان الصوري ناصر بن علي الخضوري، الذي كان إلى جانب مهنته البحرية صاحب خط واشتغل بكتابة المرشدات والوثائق.

إحدى صفحات مخطوطة “نبهة الغافل” للخضوري
وتكتسب هذه المخطوطة أهمية خاصة في تاريخ العلاقة بين صور والحامي؛ إذ تشير الدراسة إلى أنها لم تكن معروفة لدى أهل صور، ويرجح أنها كُتبت خصيصًا لزميل الخضوري الربان أحمد بن علي الشاطري، وظلت محفوظة في مكتبته بالحامي، حيث اطلع عليها الباحث عبدالرحمن الملاحي سنة 1984م.
وتقع المخطوطة في 134 صفحة، تضاف إليها عشرون صفحة كتبها الربان الشاطري، وتتناول موضوعات من بينها جداول ميل الشمس، وخطوط عرض وطول الموانئ والجزر في المحيط الهندي، والمجاري البحرية في البحر الأحمر وبحر العرب والخليج العربي والمحيط الهندي وشرق إفريقيا، إلى جانب قواعد حسابية وملاحية أخرى.
“الجوهر اللطيف”.. كتاب صوري حفظته الحامي
ويبرز كذلك رحماني “الجوهر اللطيف في علم البحر المنيف” للربان سعيد بن محمد الغيلاني، الذي توجد نسخة نادرة بخطه في الحامي، وتحمل تملكًا باسم النوخذة عبدالله عمر الكسادي، صديق المؤلف.
بدأ الغيلاني جمع كتابه وكتابته في 17 شعبان 1361هـ، وأتمه في 12 رجب 1367هـ، وجاء في 224 صفحة، متضمنًا معارف واسعة عن الشمس وخطوط الطول والعرض والموانئ والمجاري البحرية ونجوم البوصلة والبروج القمرية والقواعد الرياضية والفلكية، إضافة إلى خرائط ورسومات لجزر سقطرى وسمحة وعبد الكوري وخبرات عملية جمعها المؤلف من تجربته ومن المؤلفات السابقة.

ويكشف هذا الكتاب بصورة واضحة كيف كانت المعرفة البحرية تنتقل وتتراكم؛ فلم يكن الربان يبدأ من الصفر، وإنما يستفيد من خبرات من سبقه، ثم يضيف إليها تجربته ومشاهداته وما وصل إليه من أدوات ومعارف جديدة.
ولهذا جمع “الجوهر اللطيف” بين المعارف البحرية القديمة والمعارف الحديثة المستمدة من المرشدات البريطانية، وتناول أدوات ظهرت خلال القرن التاسع عشر، إلى جانب الخبرة التقليدية المتوارثة لدى البحارة.

“دلايل المبحرات والمبحرين”
من الكنوز الصورية الأخرى التي بقيت محفوظة لدى ربابنة الحامي مخطوطة “دلايل المبحرات والمبحرين”، وهي من تأليف الربان الصوري محمد بن ماجد الظاهري، أحد مشاهير ربابنة عُمان في القرن التاسع عشر.
وكانت النسخة المحفوظة من ممتلكات الربان الحامي محمد بن عوض عيديد الذي استنسخها للاستفادة منها، وبقيت ضمن متروكاته الملاحية. وتشمل المخطوطة المجاري البحرية وطرق عبور المواضع الضحلة وقياس الأعماق والرؤوس البحرية الخطرة ومواطن الاحتماء من الرياح والعواصف، إضافة إلى إرشادات للسفر بين البصرة وعدن واليمن ومسقط والسواحل الإفريقية وزنجبار وجزر القمر ومدغشقر.
معرفة تتحرك في الاتجاهين
اللافت أن التبادل لم يكن من صور إلى الحامي وحدها؛ بل كان متبادلًا، فقد اشتهر عدد من ربابنة الحامي لدى البحارة الصوريين أنفسهم، ومن بينهم الربان الفلكي محمد بن عوض عيديد، الذي كانت له لقاءات علمية مع ربابنة صور في موانئ عُمان والهند، وعُرف لديهم باسم “السيد محمد”، وكانوا يستشيرونه ويستفيدون من معارفه الملاحية والفلكية.
كما تكشف سيرة النوخذة محمد بن عبدالرحمن باهارون عن علاقات تجارية مع تجار ونواخذة عُمان في ظفار وصور ومسقط، في حين ارتبط الربان محمد بن عبدالله باعباد بعدد من نواخذة صور، ومنهم جمعة بن محمد بن مبارك بن جويد الغيلاني ومحمد بن خاطر بن رمضان العلوي.

واستمرت بعض هذه الصلات حتى بعد أفول عصر السفن الشراعية؛ فقد احتفظ التاجر عبدالله بن هارون باهارون، أحد تجار الحامي في شرق إفريقيا، بعلاقات واسعة مع نواخذة وتجار صور، واستمرت تلك العلاقات بين الأبناء والأحفاد، في دلالة على أن ما صنعته رحلات البحر تجاوز المصالح التجارية المؤقتة وتحول إلى روابط اجتماعية ممتدة.
ميناءان في شبكة واحدة
تكشف هذه الشواهد أن العلاقة بين صور والحامي لم تكن علاقة بين ميناءين منفصلين بقدر ما كانا جزءًا من فضاء بحري واحد امتد من البصرة والخليج وعُمان وحضرموت وعدن، وصولًا إلى الهند وشرق إفريقيا وجزر المحيط الهندي.
في هذا الفضاء كانت البضاعة تتحرك ومعها المعرفة؛ فالتاجر يحتاج إلى الربان، والربان يحتاج إلى معرفة الرياح والنجوم والمجاري والموانئ، والخبرة التي يكتسبها بحار من صور يمكن أن تنتقل إلى بحار من الحامي، والعكس صحيح، ثم تتحول تلك المعرفة إلى رحماني أو مرشد بحري ينتقل من مكتبة إلى أخرى.
ولذلك فإن المخطوطات الصورية التي بقيت محفوظة في الحامي لا تمثل مجرد كتب ملاحية قديمة، وإنما تشكل شاهدًا ماديًا على شبكة معرفية عربية نشأت حول البحر، وأسهم فيها البحارة بأنفسهم قبل ظهور مؤسسات التعليم البحري الحديثة.
وتخلص الدراسة إلى عمق العلاقة الملاحية والمعرفية بين ربابنة جنوب الجزيرة العربية، وبصورة خاصة بين صور والحامي، وإلى الدور الذي أداه ربابنة صور في تدوين الرحمانيات البحرية ونقل المعارف السابقة وإضافة تجاربهم إليها وتداولها مع ربابنة حضرموت، إلى جانب الدور الأوسع للملاحين في نقل الثقافات والمعارف بين الموانئ التي وصلوا إليها.
وهكذا، فإن تاريخ العلاقة بين ميناء صور العُماني وميناء الحامي الحضرمي يقدم جانبًا مهمًا من تاريخ بحر العرب؛ تاريخًا لم تصنعه حركة السفن والبضائع وحدها، بل صنعته أيضًا المعرفة التي عبرت البحر، والمخطوطات التي انتقلت بين الربابنة، والصداقات والمصاهرات التي نشأت في الموانئ، والخبرات التي تناقلتها أجيال البحارة على امتداد طرق المحيط الهندي.
المرجع
- باهارون، محمد علوي عبد الرحمن. التبادل الملاحي والمعرفي بين ميناءي صور العماني والحامي الحضرمي، مؤتمر ولاية صور الدولي، 5-7 ديسمبر 2025.






