رصد-أثير
إعداد - جميلة العبرية
قد تبدأ الحكاية برسالة قصيرة تصل إلى مجموعة عائلية في “واتساب”، “تنبيه مهم”، أو “خبر عاجل”، أو تسجيل صوتي يقول صاحبه إنه حصل على المعلومة من مصدر موثوق، وبعد دقائق تنتقل الرسالة إلى مجموعات أخرى، ثم تظهر على منصة مختلفة، وربما تضاف إليها صورة تحمل شعار جهة رسمية، عند هذه النقطة لم تعد فقط كرسالة مجهولة المصدر، فقد بدأت تتحول إلى حديث عام يصعب أحيانًا معرفة أين بدأ.
هذه السلسلة تفتح الباب أمام ما يمكن وصفه صحفيًا بـ“هندسة التضليل الرقمي“، وهي ليست اسمًا لتخصص أكاديمي مستقل، وإنما وصف لعملية يجري فيها بناء المحتوى المضلل ونشره وتضخيمه باستخدام أساليب معروفة، مثل انتحال المصادر، واجتزاء المعلومات، والتلاعب بالعاطفة، وتكرار الرواية عبر حسابات ومنصات متعددة.
وقد لا تكون المعلومة مختلقة بالكامل، فقد تُستخدم صورة صحيحة في سياق مختلف، أو تصريح قديم يقدم على أنه جديد، أو جزء من معلومة حقيقية تُحذف منه تفاصيل تغير معناها.
كيف تُبنى المعلومة المضللة؟
تبدأ أحيانًا من اختيار موضوع يشغل المجتمع، مثل الوظائف، والأسعار، والتعليم، والخدمات، والأحوال الجوية، والقرارات الحكومية، فكلما اقتربت الرسالة من حياة الناس واهتماماتهم زادت فرصة الاهتمام بها.
ثم تأتي طريقة الصياغة، “خبر مؤكد”، “وصلني من مسؤول”، “انشر قبل الحذف”، ويمكن أن تضاف هوية بصرية تشبه بيانًا رسميًا، أو شعار مؤسسة معروفة، لمنح الرسالة ثقة لا يمنحها مصدرها الحقيقي.
بعدها تبدأ مرحلة التضخيم، تظهر الرواية نفسها في أكثر من حساب وصيغة، وتنتقل من “واتساب” إلى “إكس” و“إنستغرام” و“تيك توك“، ومع التكرار قد يظن المستخدم أن المعلومة صحيحة لأن “الجميع يتحدث عنها”، وهنا قد يتحول التكرار إلى بديل عن الدليل.
المستخدم نفسه قد يصبح أداة للنشر
حللت دراسة نشرها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في مجلة Science نحو 126 ألف قصة تداولها قرابة ثلاثة ملايين مستخدم، ووجدت أن الأخبار الكاذبة انتشرت أسرع وأبعد وأعمق من الأخبار الصحيحة، كما كانت أكثر احتمالًا لإعادة النشر بنحو 70%.
وأشارت الدراسة إلى أن البشر أنفسهم كان لهم دور أساسي في سرعة الانتشار، خصوصًا عندما يكون المحتوى جديدًا أو مثيرًا للخوف والمفاجأة، أي أن المستخدم الذي يعيد الرسالة بقصد تحذير الآخرين قد يصبح، من دون قصد، جزءًا من شبكة انتشارها.
أمثلة من سلطنة عُمان
شهدت سلطنة عُمان حالات تساعد على فهم بعض هذه الأساليب، ففي عام 2024 حذرت صحيفة Times of Oman من حسابات ومنشورات استخدمت اسمها وشعارها لنشر أخبار مزيفة، وهو مثال على استغلال ثقة الجمهور في مؤسسة معروفة.
وفي أبريل 2026 نفت شرطة عُمان السلطانية معلومات جرى تداولها عبر وسائل التواصل، ومنها “واتساب”، بشأن تعرض طالبة للاعتداء أثناء رحلة مدرسية، بعدما أثارت الرسالة قلقًا لدى أولياء الأمور.
وتزداد المسألة تعقيدًا مع الذكاء الاصطناعي، فقد أشارت شرطة عُمان السلطانية في أكتوبر 2025 إلى استخدام المحتالين تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، وتصميم مواقع تحاكي المواقع الرسمية، والعمل على إبراز بعضها في نتائج البحث.
والاحتيال الإلكتروني ليس هو التضليل الإعلامي، لكنهما قد يتقاطعان في الأدوات، انتحال الهوية، وصناعة الثقة، وإثارة الخوف أو الطمع، ودفع المستخدم إلى التصرف سريعًا قبل التحقق.
متى تتحول الرسالة إلى رأي عام؟
تبدأ الخطورة عندما يتوقف الناس عن سؤال “من أين جاءت المعلومة؟”، ويبدأ النقاش في مضمونها باعتباره حقيقة، تظهر التعليقات، والتفسيرات، والحسابات المؤثرة، وقد تجد جهة رسمية نفسها مطالبة بالرد على قصة لم يثبت أصلها.
وهنا لا يعود تأثير التضليل مرتبطًا بكذب المعلومة وحده، وإنما بقدرته على تحديد ما يناقشه المجتمع، وما يقلقه، وكيف يفسر حدثًا معينًا.
5 علامات تقول لك (توقف)
هناك مؤشرات لا تعني بالضرورة أن الرسالة مضللة، لكنها تستحق التحقق ومنها:
1- لا يوجد مصدر واضح: “مصدر موثوق” أو “مسؤول أكد” من دون اسم أو رابط.
2- طلب النشر بسرعة: مثل “انشر قبل الحذف” أو “أرسلها للجميع”.
3- شعار رسمي من دون رابط رسمي: فالصور والتصاميم يمكن تقليدها بسهولة.
4- إثارة قوية للخوف أو الغضب: كلما اشتد التأثير العاطفي، زادت الحاجة إلى التحقق.
5- انتشار واسع بلا مصدر أول: كثرة إعادة الإرسال لا تثبت صحة المعلومة.
كيف يعي الشارع العُماني ما يحدث؟
يمكن أن تبدأ المناعة الرقمية بسؤال واحد، من نشر المعلومة أولًا؟
إذا كان الخبر منسوبًا إلى جهة رسمية، فمن الأفضل العودة إلى حسابها أو موقعها مباشرة، وإذا جاء في صورة تحمل شعارًا، فلا يكفي ذلك لإثبات صحتها، وإذا أثار المحتوى غضبًا أو خوفًا شديدًا، فهذه لحظة للتوقف قبل المشاركة.
كما يمكن الانتقال من تصحيح الإشاعة بعد انتشارها إلى ما يعرف بـ“التحصين المسبق” ، أي تعليم الجمهور مسبقًا كيف تعمل حيل التضليل، وقد أظهرت دراسة حديثة شملت أكثر من 375 ألف مستخدم على “إنستغرام” أن فيديو توعويًا قصيرًا عن التلاعب العاطفي ساعد المشاركين على تحسين قدرتهم على التعرف إليه.
فالوعي الرقمي اليوم لا يعني معرفة استخدام المنصة فقط، وإنما فهم كيف يمكن للمحتوى نفسه أن يُصمم للتأثير فينا، وبين أول رسالة تصل إلى هاتف واحد وتحولها إلى حديث مجلس أو وسم متداول، قد تكون أكثر الخطوات تأثيرًا أبسطها، “إعادة إرسال”.






