دراسة تُناقِش التغطية الإعلامية للمحاكمات؛ فما الذي خلصت إليه؟

خلصت دراسة مقارنة بين النظام السعودي والقانون السوداني إلى أن الإعلام يوسّع رقابة الجمهور على المحاكمات، لكنه قد يضغط على القضاء إذا استبق الأحكام أو شهّر بالمتهمين.

دراسة تُناقِش التغطية الإعلامية للمحاكمات؛ فما الذي خلصت إليه؟
التغطية الإعلامية للمحاكمات
رصد - أثير
يُعدّ مبدأ علانية المحاكمة، أي حق الجمهور في حضور جلسات المحاكم والاطلاع على ما يجري فيها، من أهم ضمانات المحاكمة العادلة، وقد صار الإعلام اليوم الأداة الأوسع لتحقيق هذا المبدأ، إذ ينقل ما يدور في قاعات المحاكم إلى ملايين لا تتسع لهم تلك القاعات. غير أن هذا الدور يطرح سؤالًا دقيقًا: هل تخدم التغطية الإعلامية للمحاكمات العدالة دائمًا، أم قد تتجاوز أغراضها فتُلحق الضرر بها؟
هذا هو السؤال الذي انطلقت منه دراسة قانونية رصدتها “أثير”، نُشرت في مجلة جامعة السلطان قابوس للدراسات القانونية (المجلد 2، العدد 1، سبتمبر 2023)، بعنوان “علانية المحاكمة إعلاميًا وأثرها في العدالة: دراسة مقارنة بين النظام السعودي والقانون السوداني”. أعدّها الدكتور أبو سالف آدم مصطفى حامد، أستاذ القانون العام المشارك في كلية القانون والدراسات القضائية بجامعة جدة، واعتمد فيها المنهج التحليلي المقارن، فحلّل النصوص التي وضعها المشرّعان السعودي والسوداني للموازنة بين حق الإعلام في نقل الحقائق وحق العدالة في أن تؤدي غايتها دون مؤثرات.

التعريف بالعلانية

تعرّف الدراسة العلانية لغةً بأنها الجهر والظهور، وتقصد بها في نطاق القانون حق كل إنسان في حضور المحاكمة دون قيد أو شرط، ويرى الباحث أن للمبدأ غرضين أساسيين: تمكين الرقابة الشعبية على أداء أجهزة الدولة، وتحقيق الردع العام ونشر أحكام القانون.
ويؤكد الباحث أن الشريعة الإسلامية سبقت المواثيق الدولية إلى إرساء هذا المبدأ، إذ لم يعرف القضاء الإسلامي المحاكمات السرية، وكان النبي ﷺ يقضي في المسجد بحضور أصحابه، وجرت المحاكمات في العهود الإسلامية اللاحقة علنًا، فقضى علي بن أبي طالب في السوق، وقضى التابعي يحيى بن يعمر في الطريق، والشعبي على باب داره.
ثم كرّست المواثيق الدولية هذا المبدأ، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي أجاز استثناءً منع الجمهور من الحضور لدواعي النظام العام أو الآداب العامة أو الأمن القومي أو حماية الحياة الخاصة.

علانية الجلسات في النظامين السعودي والسوداني

في المملكة العربية السعودية، ينص النظام الأساسي للحكم لسنة 1412هـ على أن تطبق المحاكم أحكام الشريعة الإسلامية، فيسري على القضاء ما قررته الشريعة من علانية، وجاء نظام الإجراءات الجزائية لسنة 1435هـ صريحًا في مادته (154): “جلسات المحاكم علنية”، ويجوز للمحكمة استثناءً أن تنظر الدعوى كلها أو بعضها في جلسات سرية، أو تمنع فئات معينة من الحضور، مراعاةً للأمن أو محافظةً على الآداب العامة، أو إذا كان ذلك ضرورياً لظهور الحقيقة.
أما في السودان، فقد نصت الدساتير المتعاقبة على مبدأ علانية جلسات المحاكم؛ إذ قرره دستور 1973 الدائم، ثم أغفله دستور 1989 وترك أمره للقانون، وعاد الدستور الانتقالي لسنة 2005 فنص على حق كل شخص تُتخذ ضده إجراءات مدنية أو جنائية في “سماع عادل وعلني” أمام محكمة مختصة، وكررت الوثيقة الدستورية لسنة 2019 النص ذاته. كما تبنّى المبدأَ قانونُ الإجراءات الجنائية لسنة 1991، ومنح المحكمة في الوقت نفسه سلطة تقديرية لعقد الجلسات سراً في حالتين: الأولى أن يتعلق الأمر بالنظام العام، كأسرار الدفاع أو الأسرار القومية أو خشية اضطراب الأمن، والثانية أن يتعلق بالآداب العامة.
وهنا يسجّل الباحث نقدًا جوهريًا، فيصف النص المنظِّم لهذه الاستثناءات بأنه “غير محكم”، لأنه يتيح لأي جهة أن تتعلل بأسبابه لإضفاء السرية على محاكمة لا تستدعيها فعلا، ويحذّر من أن بعض الجهات تخلط، خطأ أو عمدا، بين أمن الدولة وأمن الحكومة، مع أن أسرار الحكومة لا يجوز كتمانها أمام المحاكم.

كيف تتحقق العلانية؟

تتجلى العلانية، بحسب الدراسة، في مظهرين: السماح للجمهور بحضور الجلسات، ونشر إجراءاتها عبر وسائل الإعلام، وتُعدّ المحاكمة علنية ما دامت جلساتها مفتوحة، ولو لم يحضرها أحد، وتمتد العلانية إلى تنفيذ العقوبات، إذ نص القانون السوداني على تنفيذ الحدود والقصاص والإعدام علنا بحضور القاضي، حمايةً للمحكوم عليه من التعسف وتحقيقا للردع العام.

المزايا والمخاطر

تعدّد الدراسة مزايا العلانية: فهي تدعم ثقة الجمهور بالقضاء، وتحمي الحقوق والحريات، وتحمل القضاة على تحري الدقة، وتعالج الشائعات التي تجد في دهاليز السرية أرضا خصبة.
لكنها ترصد في المقابل مساوئ لا تقدح في أصل المبدأ، وإن استوجبت ضبطه:
  • الأثر النفسي على المتهم، ولا سيما الأحداث، ويلاحظ الباحث أن قانون الطفل السوداني لسنة 2010 لم ينص صراحةً على سرية محاكمة الطفل، خلافاً للعهد الدولي والقانون المصري.
  • تكوين رأي عام خاطئ عن المحاكمة، يُفقد الثقة بالقضاء إذا جاء الحكم مخالفاً لتوقعات الجمهور.
  • كشف أسرار الدولة أو المتقاضين.
  • “عدوى الجريمة“، حين يتحول الكشف عن أساليب المجرمين إلى “مدرسة لتعليم الجريمة”.
ولمعالجة ذلك، أجاز القانون السوداني للمحكمة، في أي مرحلة، منع الجمهور من الحضور أو منع النشر إذا تبيّن لها أنه يضر بسير الدعوى، بشرط أن تسبّب قرارها، وإلا وقع باطلا، واقترح الباحث أن يصدر قرار السرية مسببا بإشارة مجملة، تُترك تفاصيلها للأطراف وحدهم.

الإعلام شريك في العلانية

تذهب الدراسة إلى أن العلانية المتحققة بالنشر تفوق في أهميتها العلانية المتحققة بالحضور، وتعلل ذلك بأمرين: أن قاعات المحاكم تضيق عن الجمهور، وأن كثيرًا من الحاضرين تجتذبهم الإثارة لا الرقابة، ولذلك يعدّ الباحث نشر إجراءات المحاكمة حقا دستوريا يندرج ضمن حرية الصحافة.
في المقابل، يحذّر الباحث من أن بعض التغطيات تبالغ في تناول القضايا وتتعامل معها بعاطفية، فتطالب بأقصى العقوبة، بينما لا يعني القاضي إلا ما في ملف الدعوى من أدلة، والأخطر أن تنصّب بعض وسائل الإعلام نفسها “محاكم إعلامية” تسبق القضاء إلى إصدار الأحكام، فإذا جاء الحكم مخالفا لما شحنت به الرأي العام، تحوّل القاضي “من حاكم إلى مدان في نظر الرأي العام”، وتستشهد الدراسة بقضيتي اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي (1963) والطبيب سام شبرد (1966)، اللتين أفضت معالجتهما الإعلامية إلى وضع ضوابط للتناول الإعلامي.
ويفرّق الباحث بين أمرين: نشر المعلومات عن القضية بوصفها خبرا مجردا، وهو حق مشروع وفق الدراسة، ونشر ما يستهدف حمل القضاء على حكم بعينه، وهو تضليل للقضاء وللرأي العام يعاقب عليه القانون.

ضوابط الإعلام في مراحل الدعوى الثلاث

ولتحقيق التوازن، يقترح الباحث ضوابط تتدرج بحسب مراحل الدعوى:
  • قبل المحاكمة: أن يستقي الإعلامي معلوماته من مصادرها، ويتجنب الإثارة والمبالغة، ويمتنع عن التعليق على التحريات أو الخوض في التوقعات قبل الفصل في الدعوى، ويُطلب من النيابة العامة الاقتصار في مذكرة الاتهام على الوقائع، بعيدا عن “الخطابة” التي تفتح باب التعليق.
  • أثناء المحاكمة: الأمانة في النقل دون تشهير أو تحريض أو توجيه للرأي العام، وأن يكون النشر معاصرا للجلسات، والامتناع عن التعليق، وعدم نشر ما جرى في الجلسات السرية، ويفرّق الباحث هنا بين “العلانية” التي تقتصر على النقل، و“الإعلامية” التي تتضمن النقد والتحليل.
  • بعد المحاكمة: تجنب التعليق على الأحكام غير النهائية حتى تُستنفد طرق الطعن. أما الحكم النهائي فيجوز تحليله، على أن يُوجَّه النقد إلى الحكم لا إلى القاضي، وأن يُصان المحكوم عليه من التشهير بعد تنفيذ العقوبة.

ماذا عن التشريع العُماني؟

لم تتناول الدراسة التشريع العُماني، غير أن النظر فيه يكشف أن المشرّع ارتقى بالمبدأ إلى مرتبة النص الدستوري، فلم يكتفِ بالنص عليه في قانون الإجراءات الجزائية كما فعل المشرّع السعودي، إذ تنص المادة (80) من النظام الأساسي للدولة، على أن “جلسات المحاكم علنية، إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية، مراعاةً للنظام العام أو الآداب”، وأن يكون النطق بالحكم في جميع الأحوال في جلسة علنية، وهو ما أكده قانون الإجراءات الجزائية في مادته (177)، فأجاز للمحكمة نظر الدعوى سرا أو منع فئات معينة من الحضور، مقتصرا في ذلك على سببي النظام العام والآداب، دون أن يضيف إليهما ما أضافه النظام السعودي من ضرورة “ظهور الحقيقة”.
وفي محاكمة الأحداث، جاء المشرّع العُماني صريحا فيما لاحظ الباحث غياب النص عليه في قانون الطفل السوداني، إذ نصت المادة (40) من قانون مساءلة الأحداث الصادر بالمرسوم السلطاني (30/2008) على أن “تكون محاكمة الحدث سرية”، فلا يحضرها إلا والداه أو وليّه، والمحامون والشهود والمراقبون الاجتماعيون، ومن تأذن له المحكمة. كما حظر القانون نشر اسم الحدث أو صورته أو وقائع محاكمته دون إذن المحكمة.
أما في جانب النشر، فقد اتجه المشرّع العُماني إلى التقييد، إذ تعاقب المادة (249) من قانون الجزاء الصادر بالمرسوم السلطاني (7/2018) على نشر أخبار التحقيقات القائمة، وأخبار الدعاوى التي تُنظر في جلسات سرية أو تقرر المحكمة منع نشرها، وأسماء المتهمين أو المحكوم عليهم أو صورهم، دون إذن من الادعاء العام أو المحكمة المختصة، ويحظر قانون الإعلام الصادر بالمرسوم السلطاني (58/2024) في مادته (4) نشر كل ما يتعلق بالتحقيقات والمحاكمات، ما لم يكن النشر بناءً على حكم قضائي نهائي، وهي قيود تلتقي في غايتها مع ما دعا إليه الباحث من صون سير العدالة، وإن بدت في نطاقها أوسع مما اقترحه من تمييز بين النقل الأمين لوقائع الجلسات العلنية والتعليق الذي يستبق حكم القضاء.

الإعلام والقضاء: تكامل لا خصومة

تكشف الدراسة أن العلاقة بين الإعلام والقضاء ليست علاقة خصومة، بل علاقة تكامل محكومة بتوازن دقيق، فعلانية المحاكمة ضمانة أصيلة للعدالة، غايتها أن يرى الناس العدالة وهي تُقام، والإعلام هو الأداة التي تمنح هذا المبدأ مداه الحقيقي، إذ يحمل ما يجري في قاعة ضيقة إلى المجتمع كله.
غير أن الأداة نفسها قد تنقلب على الغاية؛ فحين يبالغ الإعلام في تناول القضايا، أو يستبق القضاء بأحكامه، أو يشهّر بمتهم ما زال بريئا في نظر القانون، فإنه يضغط على القاضي، ويضلّل الرأي العام، ويهدر حقوق الأطراف، وفي هذه الحالة تتحول العلانية من ضمانة للعدالة إلى عبء عليها.
ولا يكمن الحل، في نظر الباحث، في تقييد حرية الإعلام أو التوسع في السرية، فالسرية نفسها قد تصبح ذريعة لانتهاك حقوق المتهم إذا جاءت نصوصها فضفاضة، وإنما الحل -كما تخلص إليه توصيات الدراسة- أن يتحمل كل طرف مسؤوليته: فعلى المشرّع أن يضع نصوصا محكمة تحدد المباح والمحظور، وعلى القضاء أن يسبّب قراراته وينفتح على الإعلام ليشرح للناس ما يحتاجون إلى فهمه، ولا بد في المقابل من إعلام قضائي متخصص يدرك أن نقل الحقيقة بأمانة هو جوهر دوره، وأن الحكم في القضايا شأن القضاء وحده، فبهذا التوازن وحده يتحقق حق المجتمع في المعرفة، دون أن يُمسّ حق المتهم في محاكمة عادلة، ولا هيبة القضاء واستقلاله.
الصورة مولدة بأدوات الذكاء الاصطناعي

شارك هذا الخبر