مخطوط نادر يوثق أفلاج الرستاق وموانئ جنوب الباطنة قبل قرون

عن الكاتب

مازن المقبالي
مازن المقبالي

محرر وكاتب صحفي

مخطوط نادر يوثق أفلاج الرستاق وموانئ جنوب الباطنة قبل قرون
الدكتور موسى بن سالم بن حمد البراشدي
أثير - مازن المقبالي
كيف كانت الرستاق قبل قرون؟ وما الأفلاج التي اعتمد عليها سكانها، والمنتجات الزراعية التي اشتهرت بها، والموانئ التي ربطت الداخل بالساحل؟
أسئلة تناولتها ورقة بحثية بعنوان ”بلدان جنوب الباطنة وبنادرها كما صورها مخطوط صفة عُمان وبلدانها وجبالها وأوديتها“، قدمها الدكتور موسى بن سالم بن حمد البراشدي، الأستاذ المساعد بجامعة السلطان قابوس، ضمن أعمال ندوة ”محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني، التي بدأت اليوم وتستمر إلى 28 أكتوبر بولاية الرستاق، وحضرتها ”أثير“.
وسلطت الورقة الضوء على مخطوط ”صفة عُمان وبلدانها وجبالها وأوديتها، المنسوب إلى ناصر بن سالم بن مبارك البوسعيدي، وما يتضمنه من معلومات جغرافية وتاريخية عن عُمان، مع التركيز على بلدان جنوب الباطنة وبنادرها البحرية، ومواردها المائية والزراعية، وملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية فيها.
وأوضح البراشدي أن المخطوط يُعد من المصادر الجغرافية النادرة في التراث العُماني، إذ لا تقتصر أهميته على وصف المواقع والبلدان، بل تمتد إلى توثيق خصائص السكان والأنشطة الاقتصادية والملامح الاجتماعية والحضارية.
ويبلغ حجم المخطوط نحو 40 صفحة، وهو محفوظ في مكتبة الإمام نور الدين السالمي بولاية بدية. ويتناول جغرافية عُمان وموقعها، ثم يقسم بيئاتها إلى جبلية وساحلية، ويركز في وصف البيئات الجبلية على الجبل الأخضر، وفي البيئات البحرية على مسقط وعدد من الموانئ التي عُرفت باسم ”البنادر“.

الرستاق؛ مركز الحكم وشبكة من الأفلاج

احتلت الرستاق مكانة بارزة في المخطوط، إذ وصفها المؤلف بأنها منزل السلطان ومعدن الحكومة، وأشار إلى أهميتها السياسية في فترة التأليف، بوصفها مقرًا للإمام.
ولم يقتصر وصف الرستاق على مكانتها السياسية، بل امتد إلى مواردها المائية والزراعية. فقد تناول المؤلف عددًا من أفلاجها، من بينها فلج الحَمَّام وفلج الصايغي وفلج الطاغي وفلج الميسر وفلج أبو ثعلب، موضحًا مسارات بعضها وخصائص مياهها وعلاقتها بالبساتين والقلعة وسوق الرستاق.
وأشار المخطوط إلى أن فلج الحَمَّام نهر جارٍ، كما وصف فلج الصايغي بأنه متوسط الحال من حيث حرارة المياه، وذكر أنه ينبع من الجبل ويمر إلى داخل القلعة، ويسقي البساتين المحيطة بها، قبل أن يلتقي بفلج الحَمَّام ويمر تحت سوق الرستاق، المعروف بسوق المسلمين.
ووصف المؤلف فلج الطاغي بأنه بارد كالزلال، وفلج الميسر بأنه النهر الكبير، كما تناول مجرى فلج أبي ثعلب، وأشار إلى فلج آخر لم يحدد اسمه، موضحًا علاقته بفلج الصايغ.
وتكشف هذه التفاصيل عن أهمية الأفلاج في تنظيم الحياة الزراعية والعمرانية، وعن اهتمام المؤلف بتوثيق مسارات الموارد المائية التي اعتمد عليها السكان.
وفي الجانب الزراعي، ذكر المخطوط عددًا من المنتجات التي اشتهرت بها الرستاق، منها الرمان والتين والنارنج والسفرجل والليمون والموز، إلى جانب قصب السكر والجح والبطيخ والبقوليات. كما تناول ما يحيط بالرستاق من بلدان وموارد طبيعية، وخصّ نخل ووادي المعاول بالذكر، مشيرًا إلى موقع نخل بالنسبة إلى الرستاق والجبل، وما تضمه من أشجار ونخيل وزروع، إضافة إلى الأودية والجبال المحيطة بالمنطقة.
كما أشار المخطوط إلى القصور والحصون وقلعة الرستاق، بما يعكس جوانب من عمرانها ومكانتها.

بركاء والمصنعة؛ موانئ تربط الداخل بالساحل

وفي وصفه للبيئات البحرية في جنوب الباطنة، تناول المخطوط بندر بركاء وبندر المصنعة، موضحًا دورهما في حركة المنتجات والتجارة بين الداخل والساحل.
وأشار المؤلف إلى أن بركاء كانت حاضرة تضم سفنًا صغيرة، وتتصل ببنادر أخرى داخل عُمان وخارجها. كما ذكر وصول القوافل التي تنقل منتجات الداخل إلى الساحل، وأشار إلى وجود موارد مائية وآبار في المنطقة، وإلى ارتباط سكانها بالبيئات الجبلية.
أما بندر المصنعة، فأشار المخطوط إلى إنشائه في عهد الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، وذكر عددًا من مميزاته، من بينها وجود سوق كبير ومرسى وسكان وموارد مائية، إضافة إلى قلعة أو حصن مبني بالحجر والقصد والصاروج، وفقًا لما ورد في وصف المخطوط.
كما أشار إلى الأنشطة الزراعية في المصنعة، ومنها زراعة السكر والقطن والشعير، بما يعكس تنوع الموارد الاقتصادية في المنطقة.
وتبرز هذه الأوصاف أهمية الموانئ في ربط الحواضر الداخلية بالأسواق الساحلية، ودورها في انتقال المنتجات الزراعية وتواصل المناطق العُمانية عبر الطرق البرية والبحرية.

المجتمع العُماني في وصف المخطوط

وتجاوز المخطوط وصف المكان إلى رصد جوانب من حياة المجتمع العُماني، إذ تناول بعض العادات والملابس والعطور وأزياء النساء، كما أشار إلى التنوع السكاني والتداخل الاجتماعي بين سكان البنادر.
ومن العبارات التي أوردها المؤلف في وصف أهل عُمان أنهم ”أهل قناعة“، وأنهم يحبون الغريب ويحسنون إليه، مشبهًا عناية عُمان بالغريب بعناية الأم بطفلها.
كما أشار إلى أن عُمان كانت ملاذًا لمن تعرضوا للظلم والجور في بلدانهم، فلجؤوا إليها طلبًا للأمان. وتحدث عن التنوع العرقي في البنادر العُمانية، واصفًا السكان بأنهم ”متساكنين ومتزاوجين ومتداخلين“، في إشارة إلى التعايش والتداخل الاجتماعي بينهم.

احتمال وجود خريطة مفقودة لعُمان

ومن الموضوعات التي ناقشتها الورقة احتمال أن يكون المخطوط قد تضمن خريطة جغرافية لعُمان لم تصل إلينا، حيث أشار البراشدي إلى أن الباحث سلطان بن مبارك الشيباني تناول احتمال أن يكون المؤلف قد وضع خريطة في نهاية المخطوط، لكنها فُقدت، مؤكدًا أهمية مواصلة البحث للتحقق من وجودها والعثور عليها.

مخطوط يتجاوز وصف المكان

وخلصت الورقة إلى أن المخطوط يمثل مصدرًا مهمًا لدراسة جغرافية عُمان وتاريخها الاجتماعي والاقتصادي، لما يتضمنه من معلومات عن الحواضر الداخلية والأفلاج والمنتجات الزراعية والموانئ البحرية.
كما يبرز أهمية الرستاق وموانئ بركاء والمصنعة في فهم العلاقة بين الموارد الطبيعية والاستقرار السكاني والنشاط التجاري في جنوب الباطنة قبل قرون، ويقدم صورة عن جوانب من حياة المجتمع العُماني، وتعامله مع الغريب، وطبيعة التعايش بين السكان.

شارك هذا الخبر