أثير - مازن المقبالي
لم تكن جبال الحجر عائقًا أمام حركة التجارة بين ساحل عُمان ومناطقها الداخلية، بل أسهمت أوديتها ومسالكها في تشكيل شبكة من الطرق التي عبرتها القوافل محملة بالسلع، وربطت مناطق الإنتاج بالأسواق والموانئ. وفي محافظة جنوب الباطنة، أدت هذه الطرق دورًا في تنشيط التبادل التجاري، فيما تكشف المصادر الفقهية والتاريخية عن جوانب من تنظيمها ومحطاتها والخدمات المرتبطة بها.
تناولت ورقة بحثية قدمها د. سليّم بن محمد الهنائي، أستاذ مساعد بجامعة نزوى، بعنوان ”طرق القوافل في محافظة جنوب الباطنة وأثرها الاقتصادي: دراسة تاريخية جغرافية (القرن 10–14هـ/16–20م)“، شبكة هذه الطرق خلال خمسة قرون، والعوامل الجغرافية التي أسهمت في تحديد مساراتها، وأثرها في الحركة الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية.

وقد عرضت الورقة ضمن ندوة محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني، التي نظمتها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بالتنسيق مع محافظة جنوب الباطنة في ولاية الرستاق.
أودية شكلت مسارات للتجارة
أوضحت الدراسة أن الموقع الجغرافي لجنوب الباطنة، بين الساحل وسفوح جبال الحجر الغربي، جعلها منطقة ربط بين الموانئ والأسواق الداخلية، مستفيدةً من الأودية والممرات الجبلية التي سلكتها القوافل في تنقلها بين مناطق الإنتاج والتبادل التجاري.
وبرزت في هذا السياق ثلاثة أودية رئيسية هي وادي السحتن، ووادي بني عوف، ووادي بني خروص. وربط وادي بني عوف الرستاق بالحمراء، فيما مثل وادي بني خروص ممرًا طبيعيًا باتجاه الباطنة والجبل الأخضر.
أما وادي السحتن، فقد ارتبط بإنتاج المحاصيل الزراعية، ومنها الحبوب والثوم والبصل، كما أشارت الدراسة إلى ”طريق السلسلة“، الذي استخدم الأخشاب والسلاسل الحديدية لربط مسفاة العبريين بوادي السحتن، في مثال على توظيف وسائل هندسية لتجاوز صعوبة التضاريس.
الحصون والأسواق محطات للقوافل
لم تقتصر شبكة القوافل على المسالك الجبلية، بل ارتبطت بمحطات عمرانية وفرت خدمات وأسهمت في تنظيم الحركة بين المناطق. وذكرت الدراسة حصن بيت النعمان في بركاء، الذي شيد في عهد اليعاربة، بوصفه محطة للضيافة والاستراحة على الطريق بين مسقط والرستاق.
كما أبرزت قلعة الرستاق بوصفها نقطة ربط بين مناطق إنتاجية متعددة، شملت الجبل الأخضر والباطنة والداخلية والظاهرة، إلى جانب حصن الحزم الذي بناه الإمام سلطان بن سيف الثاني سنة 1123هـ/1711م، وقلعة نخل التي ارتبط موقعها بمراقبة المسارات المؤدية إلى المناطق الجبلية والداخلية.
وفي الجانب التجاري، تناولت الدراسة سوق الرستاق القديم المعروف باسم ”سوق أبو ثمانية“، مشيرة إلى ما ارتبط بالأسواق من تنظيم للإيجارات وعرض الحيوانات والسلع، بما يعكس تعدد الأنشطة التي اعتمدت عليها الحركة التجارية.
ماذا تكشف المدونات الفقهية عن الطرق؟
اعتمد الهنائي على المدونات الفقهية العمانية بوصفها مصادر لا تقتصر على الأحكام الشرعية، بل تتضمن شواهد على تفاصيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية. واستعرضت الدراسة ما ورد في كتب مثل ”قاموس الشريعة“ لجميل بن خميس السعدي بشأن الطرق وحريمها وصيانتها، وحقوق الانتفاع بها.

وأشارت إلى تصنيفات للطرق بحسب وظائفها، وإلى تحديد حريم الطريق في الفلوات والصحارى بأربعين ذراعًا، وفق ما أورده البحث، بما يتيح مجالًا لحركة القوافل وأحمالها. كما تناولت مسؤولية صيانة الطرق وإزالة ما يعيق المرور فيها، إلى جانب الأحكام المرتبطة بكراء الدواب ونقل البضائع.
وتطرقت الدراسة كذلك إلى نقل الرسائل والكتب والأموال بين البلدان بأجر، وإلى تنظيم أجور النقل والمسؤولية عن تلف البضائع، وهي شواهد تسلط الضوء على الخدمات التي رافقت حركة القوافل، وعلى وجود ترتيبات لتنظيمها وحماية مصالح المتعاملين فيها.
من الجبل إلى البحر
ربطت الدراسة طرق القوافل البرية بالتجارة البحرية العُمانية، موضحةً أن الموانئ لم تكن نقاطًا منفصلة عن الأسواق الداخلية، بل ارتبطت بها عبر طرق نقلت السلع بين الساحل والداخل.
وتناولت مكانة مسقط في الحركة التجارية البحرية، ودورها في استقبال المراكب المتجهة إلى الهند، كما أشارت إلى أن النشاط التجاري ازداد في مراحل تاريخية مختلفة، ومنها عهد اليعاربة والبوسعيديين، وأن حركة البضائع عبر الموانئ أسهمت في تنشيط النقل البري نحو الأسواق الداخلية.
كما تناولت الورقة أثر الطرق في انتقال المعرفة والعلماء، إلى جانب دورها في الحركة الاجتماعية والعمرانية، وعلاقتها بالقرى والأفلاج التي وفرت المياه للمجتمعات المستقرة على امتداد المسارات.
طرق أسهمت في تشكيل الحياة الاقتصادية
خلصت الدراسة إلى أن طرق القوافل في جنوب الباطنة أدّت دورًا في ربط الساحل بالمناطق الداخلية، وأن الحصون والأسواق ومحطات الاستراحة ومصادر المياه شكّلت عناصر متكاملة دعمت حركة التجارة والنقل.
وأكدت أهمية المدونات الفقهية العمانية إلى جانب المصادر التاريخية والجغرافية في إعادة بناء تاريخ هذه الطرق، لما تتضمنه من معلومات عن تنظيم المرور وكراء الدواب ونقل البضائع وصيانة المسالك.
وأبرزت الدراسة كذلك امتداد أثر هذه الشبكة إلى العلاقات التجارية الإقليمية المرتبطة بالخليج والهند وشرق إفريقيا، بما جعل طرق القوافل جزءًا من منظومة أوسع لتبادل السلع والمعارف والخبرات بين عُمان ومحيطها.






