أثير - مازن المقبالي
كيف كان أهل الرستاق يدعمون التعليم قبل أكثر من 220 عامًا؟ ومن أين كانت تُخصص موارد رعاية الفقراء والأيتام؟ وما الذي تكشفه أسماء النساء والقبائل في سجلات المياه عن المجتمع في تلك الفترة؟
تجيب ورقة بحثية قدمتها د. خلود بنت حمدان الخاطرية أستاذ مساعد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بالرستاق عن جانب من هذه الأسئلة، من خلال دراسة دفتر فلج الميسر المؤرخ بعام 1219هـ/1804م، الذي لم يقتصر على توثيق حصص المياه وملكياتها، بل حفظ تفاصيل عن الحياة الاجتماعية في الرستاق خلال مطلع القرن التاسع عشر الميلادي.
واستعرضت الورقة التي حملت عنوان ”دفاتر الأفلاج مصدرًا لتاريخ الحياة الاجتماعية في مدينة الرستاق: دفتر فلج الميسر خلال القرن التاسع عشر الميلادي نموذجًا“ ضمن ندوة محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني، التي حضرتها ”أثير“ في ولاية الرستاق شواهد من الدفتر تتصل بالتعليم والوقف والتكافل الاجتماعي وحضور المرأة والروابط الأسرية والقبلية.
مياه الفلج لدعم التعليم
لم يقتصر الانتفاع بمياه فلج الميسر على الاستخدامات اليومية والزراعية، إذ أظهرت الدراسة تخصيص حصص منها لعمارة المدارس الملحقة بالمساجد، ورعاية المتعلمين، وإصلاح الكتب الموقوفة.
وورد في الدفتر تخصيص ”أثر وخمسة عشر قياسًا للمتعلمين“، كما سُجلت حصص أخرى لهذه الفئة، منها ”أثر وثماني قياسات للمتعلمين“، في شواهد تشير إلى أن دعم التعليم شمل المتعلمين أنفسهم، إلى جانب المؤسسات التي يتلقون فيها العلم.
وامتد الاهتمام إلى الكتب؛ إذ أشار الدفتر إلى تخصيص ”ربع أثر لإصلاح الكتب التي أوقفها علي بن خلفان“، بما يكشف عن وجود موارد مخصصة لصيانة الكتب والانتفاع بها، بدلًا من الاقتصار على توفير أماكن التعليم.
كما رصدت الدراسة أوقافًا لمدارس مرتبطة بعدد من المساجد، منها جامع سوني ومسجد الصوالح ومسجد البياضة ومسجد حيل البقلاني، وهو ما يعكس ارتباط استمرارية التعليم بتخصيص موارد لصيانة المؤسسات التعليمية ومرافقها.
ماذا فعلت النساء بحصص المياه؟
تكشف القيود الواردة في دفتر فلج الميسر عن حضور النساء في الملكية والوقف والوصية، إذ لم يقتصر توثيق الحقوق على الرجال، بل شمل نساءً امتلكن حصصًا مائية ووجهنها إلى أغراض دينية وتعليمية واجتماعية.
ومن الأمثلة التي أوردتها الدراسة وصية عائشة بنت محمد، التي خُصص بموجبها أثر لمسجد جامع سوني، ونصف أثر لمسجد الصوالح، ونصف أثر لمدرسة مسجد الصوالح.
وفي مثال آخر، خصصت بنت راشد بن خصيب 9 قياسات لإصلاح الكتب التي أوقفتها، في شاهد يربط بين ملكية المرأة للموارد المائية وإسهامها في دعم التعليم.
وتوضح هذه الأمثلة أن دور المرأة، كما تعكسه الوثيقة، لم يقتصر على امتلاك الحقوق أو انتقالها بالإرث، بل شمل توجيه بعض الموارد إلى أوجه الوقف والنفع العام.
للفقراء والأيتام نصيب من الفلج
وثّق الدفتر تخصيص أجزاء من موارد فلج الميسر لفئات محتاجة، في صورة من صور التكافل الاجتماعي التي تناولتها الدراسة.
ومن العبارات الواردة فيه ”أثر لأولاد اليتيم“، إلى جانب تخصيص حصص ”لفقراء المسلمين“، وأخرى لفقراء اليعاربة. وتشير هذه القيود إلى أن موارد الفلج لم ترتبط بحقوق المالكين والمنتفعين وحدهم، بل شملت تخصيص موارد لفئات اجتماعية تحتاج إلى الرعاية.
كما رصدت الدراسة أوقافًا مرتبطة بشراء الأكفان وزيارة القبور، بما يضيف جانبًا آخر إلى أوجه الانتفاع بالموارد المائية، ويكشف عن ارتباط الوقف باحتياجات دينية واجتماعية متعددة.
أكثر من 18 مسجدًا في الدفتر
لم تظهر المساجد في دفتر فلج الميسر بوصفها أماكن للعبادة فحسب، بل استُخدمت أيضًا معالمَ لتحديد مواقع الأملاك وحدودها.
وأحصت الدراسة أكثر من 18 مسجدًا وردت أسماؤها في الدفتر، من بينها جامع سوني ومسجد البياضة ومسجد الحرث ومسجد المحاضر ومسجد العرقوب ومسجد الصوالح ومسجد المقاصير ومسجد الوطية والمسجد العتيق ومسجد البرج.
وتكررت الإشارة إلى جامع سوني في مواضع مختلفة عند تحديد الأملاك والحدود، بما يوضح أن المعالم الدينية كانت جزءًا من المرجع المكاني الذي اعتمد عليه المجتمع في وصف المواقع وتوثيق الحقوق.
كما ارتبطت بعض المساجد والمدارس بأوقاف خُصصت لعمارتها، وهو ما يعكس وجود موارد مخصصة للمحافظة على هذه المرافق واستمرار أداء وظائفها.
أسماء تكشف جانبًا من خريطة الرستاق
حفظ الدفتر أسماء أفراد وأسر وقبائل ارتبطت حقوقها المائية بفلج الميسر، وهو ما أتاح للدراسة استقراء جانب من التركيبة الاجتماعية في الرستاق خلال الفترة التي تمثلها الوثيقة.
ومن الأسماء والنسب التي أوردتها الدراسة الشقصي والمزروعي واللمكي والعدوي والسلامي والريامي والهاشمي والغافري والضوياني والبقلاني واليعربي، إلى جانب جماعات وأسر أخرى.
ومن الأمثلة الواردة في الدفتر تسجيل أربعة آثار لمحمد بن عبدالله بن خميس المزروعي، وأثرين لبدوية وجوخة ابنتي سليمان بن سعيد المزروعيتين.
وتشير هذه القيود إلى ارتباط أفراد من انتماءات قبلية وأسرية متعددة بملكية حصص المياه والانتفاع بها. غير أن الدراسة تؤكد أهمية قراءة هذه الأسماء في حدود ما تثبته الوثيقة؛ فهي تكشف عن حضور أصحاب الحقوق وارتباطهم بالفلج، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد أحجام القبائل أو ترتيبها من حيث العدد والنفوذ.
الأسرة والملكية في سجل المياه
لم تقتصر الملكيات المسجلة في الدفتر على الأفراد، إذ أوردت بعض القيود حصصًا ارتبطت بأكثر من فرد من الأسرة الواحدة.
ومن ذلك عبارة ”وأثران لسعيد وسالم ابني خلفان بن عبدالله وأمهم“، وعبارة أخرى تشير إلى أربعة آثار لمحمد بن خلفان بن عبدالله بيماني وأمه وإخوته.
وتكشف هذه الأمثلة عن حضور الروابط الأسرية في تسجيل الحقوق والانتفاع بالموارد المائية، وتتيح قراءة جانب من العلاقة بين القرابة والملكية في المجتمع المحلي.
كما رصدت الدراسة انتقال حصص المياه بين أصحابها، ومن ذلك تسجيل انتقال نصف أثر من ماء شنينه بنت سلوم الرستاقية إلى غيثا بنت بلعرب الريامية، في مثال يوضح أن الحقوق المائية كانت قابلة للانتقال، مع توثيق صاحب الحق الجديد في الدفتر.
القبور أيضًا علامات للحدود
ومن التفاصيل التي تناولتها الدراسة ورود القبور ضمن المعالم التي استُخدمت لتحديد مواقع الأملاك والحدود، إذ أشار الدفتر إلى قبور أشخاص بأسمائهم في مواضع مختلفة.
ولم يقتصر ذكر القبور على هذا الاستخدام، فقد خُصصت حصص من مياه الفلج لزيارتها، منها ”أثر لزيارة قبر رفعا بنت ناصر بن خميس الشقصية“، و”ستة آثار لزيارة قبر بنت محمد بن حمير اليعربية”، و”نصف أثر لزيارة قبر سعيد بن مسعود الخميسي”.
وتكشف هذه الشواهد عن حضور القبور في الذاكرة المكانية للمجتمع، إلى جانب ارتباط بعض موارد الفلج بممارسات دينية واجتماعية متصلة بزيارة الموتى.
وثيقة تتجاوز توزيع المياه
تخلص الدراسة إلى أن دفتر فلج الميسر يمثل مصدرًا أوليًا لدراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والعمراني للرستاق، لما يتضمنه من أسماء وملكيات ووصايا وأوقاف ومعالم مكانية وتفاصيل عن تنظيم الموارد.
كما تؤكد أهمية دفاتر الأفلاج إلى جانب كتب السير والجوامع الفقهية والموسوعات العُمانية في كتابة التاريخ المحلي، لما توفره من شواهد مباشرة على المعاملات اليومية والعلاقات الاجتماعية وتنظيم الحقوق.
وأوصت الورقة بتحقيق دفاتر الأفلاج العُمانية ودراستها، والاستفادة مما تتضمنه من معلومات في تعزيز مصادر دراسة المجتمع العُماني وتطور بنيته الاجتماعية والقبلية.






