وقف النار على الورق: لماذا لن تغادر إسرائيل لبنان في وقت قريب؟

وقف النار على الورق: لماذا لن تغادر إسرائيل لبنان في وقت قريب؟
وقف النار على الورق: لماذا لن تغادر إسرائيل لبنان في وقت قريب؟
رصد – أثير
يتحول الوجود الإسرائيلي في لبنان إلى الاحتلال المفتوح التالي في الشرق الأوسط، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة لا على اللبنانيين والإسرائيليين على حد سواء فحسب، بل على الديناميات الجيوسياسية الأوسع في المنطقة أيضاً. فقد استضافت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي دبلوماسيين إسرائيليين ولبنانيين في الجولة الثامنة من المفاوضات ضمن “الإطار الثلاثي” الذي أُرسي في يونيو. ومجدداً، أخفقت المحادثات في تحقيق أي تقدم، تاركةً تساؤلات جدية بشأن مصير الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني للأراضي اللبنانية وحربها مع حزب الله.

احتلال مفتوح ومفاوضات معطلة

رأت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية في مقال لها رصدته “أثير” الاحتلال الإسرائيلي يتواصل منذ أكتوبر 2024، حين اجتاحت إسرائيل لبنان لوضع حد للضربات التي يشنها حزب الله عبر الحدود على أراضيها. وخلافاً لما تصفه كثير من وسائل الإعلام، لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، حتى خلال جلسات التفاوض، رغم اتفاقَي وقف إطلاق نار مفترضين لم يكن لهما وجود إلا على الورق. وقد خلّف القتال آلاف القتلى والجرحى في لبنان والعشرات في إسرائيل، وأدى في مرحلة ما إلى نزوح ما يزيد على مليون شخص في لبنان. ولا يزال أكثر من 350 ألف لبناني نازحين، فيما لم يعد كثيرون ممن عادوا إلى منازلهم فعلاً. والسبب واضح: فقد أقامت إسرائيل ما تسميه “منطقة عازلة” في جنوب لبنان، فسوّت قرى بأكملها بالأرض، ومنعت النازحين من العودة. وعلى المستوى المعلن، يُفترض أن تفضي مفاوضات الإطار إلى نتيجتين: نزع سلاح حزب الله على نحو مستدام وقابل للتحقق، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية ذات السيادة. وحتى الآن، يظل هذان الهدفان بعيدَي المنال، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى أن أياً من إسرائيل وحزب الله لا يرغب في تحقيقهما، إذ ينظر كلاهما إلى الصراع بمنطق المعادلة الصفرية. كما يشكّل استبعاد حزب الله من المحادثات ورفضه العلني لها عاملين رئيسيين في تفسير غياب التقدم.
فبالنسبة إلى حزب الله، تمثّل مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وعملياته في لبنان علّة وجوده، ولا يزال يعتقد أن بوسعه أن يصمد أطول من الاحتلال الإسرائيلي ومن الحكومة الحالية برئاسة الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، اللذين يسعيان إلى نزع سلاحه. ولا شك أن منطق الحزب ينسجم مع التجربة التاريخية، إذ مُني الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من لبنان بين عامي 1982 و2000 بفشل ذريع أفضى إلى نشوء حزب الله ذاته. ولن يسمح ذلك التاريخ، ولا شعار المقاومة الذي يرفعه الحزب، بنزع السلاح في ظل احتلال إسرائيلي. أما إسرائيل، فقد تبنّت في حقبة ما بعد السابع من أكتوبر 2023 استراتيجية أمن قومي مطلقة، فأقامت مناطق عازلة في لبنان وسورية، ووسّعت احتلالها غير القانوني لفلسطين، وقصفت دولاً شرق أوسطية عديدة على مدى السنوات الثلاث الماضية. ويحظى هذا النهج بتأييد واسع في المجتمع الإسرائيلي، إذ يؤيد نحو 80 في المئة من اليهود الإسرائيليين العمليات في لبنان، وهو ما يفسّر على الأرجح إعلان كبار المسؤولين في حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن هذه الاحتلالات ستكون “مفتوحة”. ومع اقتراب انتخابات الكنيست، لا يتبنى أي حزب سياسي إسرائيلي رئيسي في المعسكر الصهيوني خطاباً مناهضاً للحرب أو داعياً إلى السلام، بل تتنافس هذه الأحزاب على من يطرح البرنامج الأكثر عسكرة.

فيتو إسرائيلي ومظلة أمريكية

سعت إسرائيل قبيل الجولة الثامنة من مفاوضات “الإطار الثلاثي” التي استضافتها الولايات المتحدة إلى إفساد المفاوضات، فأطلقت حملة علنية تتهم الجيش اللبناني لا بالإخفاق في نزع سلاح حزب الله في المناطق الخاضعة لسيطرته فحسب، بل بالتنسيق مع الحزب للالتفاف على أي جهد حقيقي لنزع السلاح. والغاية هنا مكشوفة بقدر ما هي سيئة النية: إذ تأمل إسرائيل في دفع الوفد اللبناني إلى موقع دفاعي، يضطر فيه إلى تبرير تصرفاته ضمن اتفاق الإطار بدلاً من الإشارة إلى دور إسرائيل المعطِّل. ويا له من دور معطِّل. فإسرائيل تملك فعلياً حق النقض على تنفيذ الإطار، لأنها هي من تقرر متى تنسحب من المناطق اللبنانية، وهي من تحدد، إلى جانب الولايات المتحدة، متى يكون نزع السلاح في تلك المناطق كافياً. ولأن إسرائيل لا تبدي أي رغبة في مغادرة لبنان قريباً، فإن لديها حافزاً متأصلاً لإطالة أمد العملية مع تقويض الجهود اللبنانية الرامية إلى تنفيذ انسحابها.
وفي هذه المرحلة، تبدو عملية “المنطقة التجريبية” هذه ميتة سريرياً ما لم تتدخل واشنطن تدخلاً جدياً، وهو أمر يظل مستبعداً إلى حد كبير. فإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإن كانت مستعدة للضغط على نتنياهو والدولة الإسرائيلية حين ترى في ذلك خدمة لمصالحها، تظل الحكومة الأكثر انحيازاً لإسرائيل في التاريخ الأمريكي. وكثيراً ما ينظر البيت الأبيض في عهد ترامب إلى هذه المصالح باعتبارها متشابكة مع إسرائيل، أو على الأقل لا يرى في مواجهة إسرائيل أمراً وجودياً في معظم الحالات. وعشية الانتخابات النصفية، ومع الدخول فيما يبدو على نحو متزايد مرحلةَ معارضة سياسية قوية في الولايات المتحدة إن جاء نجاح الحزب الديمقراطي الانتخابي متطابقاً مع استطلاعات الرأي الحالية، تشير المعطيات إلى أن إدارة ترامب قد تسارع إلى وضع لبنان على الرف، فيما تخطط للتصعيد ضد إيران مباشرة، على الأرجح بعد الانتخابات النصفية. وفي هذا السياق، كانت محادثات الإطار الثلاثي في الولايات المتحدة محكومة بالفشل منذ البداية، بما يطيل أمد وضع كارثي على اللبنانيين والإسرائيليين على حد سواء، ما دامت الحرب تظل اللغة الحقيقية للسياسة.

لماذا يُنذر الوضع الراهن في لبنان بتصعيد كارثي؟

إن ترك الحرب تراوح مكانها على هذا النحو سيكون خطأً. فإبقاء واحدة من أشد بؤر الصراع سخونة في الشرق الأوسط مفتوحة على التصعيد، في مسرح عمليات مترابط، يعرّض الأبرياء والمصالح الأمريكية للخطر. وكلما طال أمد التقاعس أو القبول بالأمر الواقع على الأرض، ازدادت صعوبة تفكيكه. وهذا السيناريو بعينه هو ما أنتج احتلال إسرائيل للبنان على مدى 18 عاماً، فغذّى صعود حزب الله والمشكلات ذاتها التي تنبع منها الحرب الراهنة وتتشكل في ضوئها اليوم.
غير أن الوضع الراهن لا يشبه عام 1982 ولا عام 2000. فمحرّكات الصراع اليوم تنبع من فلسطين المحتلة بقدر ما تنبع من إيران أو لبنان أو إسرائيل. وقد ترسّخت في إسرائيل سياسات يمينية متطرفة وقومية متشددة على نحو لم يكن قائماً في الماضي بهذه الصيغة أو بهذا الحجم، ما يفسح مجالاً واسعاً جداً لتطورات قد تكون كارثية في أرجاء الشرق الأوسط.
وفي هذا الصدد، قد يتحول الاحتلال الإسرائيلي المستمر للبنان إلى وجود إسرائيلي أعمق وأوسع نطاقاً في البلاد بعد انقضاء الموسم الانتخابي. فقد لجأ نتنياهو إلى مقامرات يائسة للبقاء في السلطة، ولا سيما للإفلات من قضايا الفساد التي قد تلطّخ إرثه وتزجّ به في السجن. وعلاوة على ذلك، يتبنى كثير من أحزاب المعارضة الإسرائيلية مواقف من حزب الله لا تقل تشدداً، إن لم تكن أشد، ومن ثم فإن تغيّر الحكومة لا يضمن إحراز تقدم في الصراع. بل إن كل المؤشرات تدل على التصعيد.
ويجب علينا تفادي هذه النتيجة مهما كلّف الأمر. فرغم أن المحادثات التي جرت في الولايات المتحدة ضمن الإطار الثلاثي ربما شكّلت الفرصة الكبرى الأخيرة لمعالجة هذه القضايا وجهاً لوجه، فإن إدارة ترامب قادرة على الضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان فوراً، وينبغي لها أن تفعل ذلك. فواشنطن تملك القدرة وأوراق الضغط اللازمة لإرغام إسرائيل على الالتزام بالاتفاق، بيد أن فرص إحراز تقدم حقيقي تظل ضئيلة للأسف، ما يُبقي في المستقبل المنظور على وضع قائم يزداد رسوخاً إلى أجل غير مسمّى، عنوانه الحرب والاحتلال والوحشية.
مصدر الصورة: وكالة الأنباء العُمانية

شارك هذا الخبر