كنوز تاريخية وأسرار تضمها صخور جنوب الباطنة

عن الكاتب

مازن المقبالي
مازن المقبالي

محرر وكاتب صحفي

كنوز تاريخية وأسرار تضمها صخور جنوب الباطنة
كنوز تاريخية وأسرار تضمها صخور جنوب الباطنة
أثير - مازن المقبالي
تكشف النقوش الصخرية وشواهد القبور في محافظة جنوب الباطنة عن جوانب متعددة من التاريخ العماني، بدءًا من الكتابات القديمة وصولًا إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وما شهدته المنطقة من هجرات وأحداث مناخية.
وقال حارث بن سيف الخروصي الباحث في التاريخ من ولاية العوابي إن أودية جنوب الباطنة تمثل ”كتابًا مفتوحًا“ لتاريخ الإنسان، لما تضمه من كتابات ورسومات صخرية تعود إلى فترات زمنية مختلفة، مؤكدًا أهمية المحافظة عليها ودراستها وتوظيفها في المجالات الثقافية والسياحية والفنية.
وأوضح الخروصي، في حواره لـ”أثير“ على هامش ندوة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني في يومها الثاني، أن دراسته تناولت النقوش الصخرية والشواهد التاريخية في المحافظة، مشيرًا إلى أن أودية بني غافر والسحتن وبني عوف وبني خروص من المواقع المهمة التي تتركز فيها هذه الكتابات.
وأضاف أن بعض النقوش تتضمن كتابات تسبق الأبجدية العربية الحالية، ومنها ما يُعرف بخط السحتن أو المسند العُماني، لافتًا إلى أن هذه الشواهد تتيح للباحثين تتبع مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة، وفهم طبيعة التواصل بين المجتمعات التي عاشت فيها أو مرت بها.

نقوش توثق الحياة اليومية

وبيّن الخروصي أن الكتابات الصخرية لم تقتصر على موضوعات محددة، بل تناولت جوانب متنوعة من حياة الإنسان، من بينها القضايا الاجتماعية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، إلى جانب الطقس والمناخ والعلاقات بين الناس.
وشبّه الأشخاص الذين اعتادوا الكتابة على الصخور بالصحفيين، موضحًا أن بعضهم كان يواظب على تدوين الأحداث والأفكار، بما يجعل هذه النقوش سجلًا يمكن من خلاله التعرف إلى اهتمامات الناس وما كان يشغلهم في فترات مختلفة.
وأشار إلى أن أقدم كتابة مؤرخة باللغة العربية الحالية عُثر عليها في المنطقة، بحسب ما توصل إليه في دراسته، تعود إلى سنة 302هـ، مع احتمال وجود كتابات أقدم لم تُؤرَّخ بعد، مؤكدًا أن الاكتشافات في هذا المجال لا تزال مستمرة.
وضرب مثالًا بنقش يوثق حادثة مناخية وقعت سنة 970هـ، إذ أشار إلى تعرض المنطقة لإعصار أو عاصفة شديدة أدت إلى أضرار واسعة، منها تدمير 50 بيتًا واقتلاع 500 نخلة في قرية ستال، وفق ما ورد في النقش.
ولفت إلى أن الشاعر الحسيني بن شوال الحسيني ذكر الحادثة نفسها في التاريخ ذاته، الأمر الذي يتيح المقارنة بين النقوش والمصادر التاريخية الأخرى، ويسهم في تكوين صورة أوضح عن الأحداث الماضية.
وأضاف أن هذه الكتابات تقدم معلومات عن الأوضاع الاقتصادية، مثل أسعار السلع والعملات المتداولة، فضلًا عن توثيق هجرات من بعض المناطق إلى مناطق أخرى.
وقال إن بعض النقوش كشفت له عن هجرات لم تكن حاضرة في الذاكرة الشعبية، رغم أن بعضها يعود إلى نحو 150 عامًا، موضحًا أن الكتابات الصخرية قد تحفظ تفاصيل غابت عن الروايات المتداولة، وتعيد إظهار جوانب من تاريخ المجتمعات المحلية.

شواهد القبور تصحح معلومات تاريخية

وفي جانب آخر من دراسته، تناول الخروصي شواهد القبور في محافظة جنوب الباطنة، مؤكدًا أنها تمثل مصادر مادية مهمة لدراسة التاريخ، لما تتضمنه من أسماء وتواريخ ووصايا ومعلومات عن الأشخاص والمجتمعات.
وأشار إلى أن من أقدم شواهد القبور التي وقف عليها وما تزال قائمة شاهدًا يعود إلى سنة 701هـ في مقبرة ستال، لافتًا إلى عثوره بالصدفة على قبر الإمام مهنا بن سلطان اليعربي، الذي قال إنه لم يكن معروفًا لمدة تقارب 300 عام.
وأوضح أن تاريخ الوفاة المدون على شاهد القبر يختلف عن التاريخ الوارد في بعض الوثائق والمدونات التاريخية، وهو ما يبرز أهمية هذه الشواهد في مراجعة المعلومات التاريخية والتحقق منها.
وأضاف أن بعض شواهد القبور تتضمن وصايا ومعلومات اجتماعية، كما تحمل نقوشًا لأشخاص قدموا من خارج عُمان، وهو ما يعكس التواصل بين المجتمعات والمناطق المختلفة.
وحذر الخروصي من تعرض بعض الشواهد التاريخية للاختفاء أو العبث، مشيرًا إلى أنه زار مواقع كانت تضم شواهد قبور ومقتنيات تراثية، ثم عاد إليها بعد فترة ولم يجد لها أثرًا، بما في ذلك شواهد قال إنها تعود إلى شخصيات مهمة.
وأكد ضرورة تكثيف الجهود لحماية هذه المواقع من العبث والاتجار بالمقتنيات التراثية، مشددًا على أن مسؤولية المحافظة على الإرث التاريخي لا تقع على الجهات المعنية وحدها، بل تبدأ أيضًا من وعي المجتمع بقيمة هذه الشواهد وأهمية بقائها في مواقعها.

كيف نستفيد من النقوش في الحاضر؟

ويرى الخروصي أن أهمية النقوش الصخرية لا تقتصر على ما تقدمه من معلومات عن الماضي، بل تمتد إلى إمكان توظيفها في الحاضر والمستقبل، من خلال الأنشطة الثقافية والسياحية والفنية، والاستفادة منها في العمارة والقصص والشعر والتقنيات الحديثة.
وقال إن هذه النقوش تمثل مكنونًا ثقافيًا ما يزال بحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة، مشيرًا إلى أن ما كُشف منها حتى الآن لا يمثل سوى جزء يسير من المعرفة التي يمكن الوصول إليها.
وأضاف أن النقوش التي تتضمن أبياتًا شعرية وحكمًا وأقوالًا للأئمة والحكماء تكشف عن جوانب من الحياة الأدبية والفكرية، وتوثق انتقال الأفكار والأقوال بين الأجيال والمناطق.
وضرب مثالًا بعبارة ”ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى“، التي تعكس جانبًا من الحكم التي دوّنها الناس على الصخور، إلى جانب كتابات أخرى تتناول العلاقات الاجتماعية ورثاء الأشخاص وتوثيق الحوادث.
ودعا الخروصي إلى تعزيز حضور هذه المواقع في البرامج الثقافية والسياحية، وإشراك الأطفال والجيل الناشئ في الندوات والبحوث التاريخية، مؤكدًا أهمية إتاحة الفرصة لهم للتعرف إلى إرثهم والمشاركة في دراسته وصونه.
كما شدد على ضرورة أن يمتد أثر الندوات التاريخية إلى ما بعد انعقادها، من خلال نشر الوعي المجتمعي وتشجيع الباحثين والمهتمين على مواصلة العمل في هذا المجال.
وختم حديثه بالتأكيد على أن النقوش الصخرية وشواهد القبور جزء من الموروث الثقافي العُماني والإنساني، وأن المحافظة عليها تضمن انتقال هذا الإرث إلى الأجيال القادمة، بما يحمله من معلومات عن تاريخ الإنسان وهويته وتواصله مع المجتمعات الأخرى.
جدير بالذكر أن ندوة ”جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني“ انطلقت يوم أمس 26 ويستمر حتى 28 أكتوبر، بتنظيم من هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بالتنسيق مع محافظة جنوب الباطنة، ويصاحبها معرض وثائقي في قاعة مكتب الوالي يضم أكثر من 2000 وثيقة ومادة تاريخية ويستمر حتى 30 أكتوبر 2026.

شارك هذا الخبر