رحلة البحث عن العلاج: متى تتحول إلى هدر صحي واقتصادي؟

عن الكاتب

ناصر الحارثي
ناصر الحارثي

مهتم بقطاع الأعمال والاقتصاد والمعرفة

رحلة البحث عن العلاج: متى تتحول إلى هدر صحي واقتصادي؟
رحلة البحث عن العلاج: متى تتحول إلى هدر صحي واقتصادي؟
أثير- ناصر الحارثي
في العادة يمتلك المشتري معرفة جيدة بالسلعة قبل إتمام الصفقة مع البائع، أما في القطاع الطبي فهناك فجوة معرفية بين مزود الخدمة أي الطبيب أو العيادة وبين المريض، لذلك يقوم المريض برحلة التسوق الطبي والعلاجي لردم هذه الفجوة وعدم اليقين بكفاءة الخدمة التي حصل عليها، مما يسبب في آثار اقتصادية سلبية وكلما زاد معدل التسوق العلاجي في الدولة كلما تشكل معنا خللا هيكليا في سوق الرعاية الصحية.
تتنوع تمظهرات التسوق الطبي (Doctor Shopping) وتتداخل فيها جوانب مؤسسية واجتماعية وثقافية واقتصادية متعددة ولأجل أن نفهم الفكرة في سياق واضح متصل، لنطرح مثال أب يعاني من أمراض مزمنة لعدة سنوات وبدأت تظهر معه مضاعفات تؤثر على سير حياته يومية، فيذهب إلى الطبيب فيصرف له نفس العلاج المعتاد بفتور شديد، فيشعر باليأس ويفضل البحث عن استشارة طبية جديدة، فيذهب إلى عيادة خاصة، ويبدأ العلاج بأدوية جديدة، ومن ثم يشاهد إعلان عن برنامج علاجي متكامل في مستشفى دولي خاص، ويقرر تحديد موعد في المستشفى الخاص، كما تصله رسالة بالواتساب عن وصفة من الطب الشعبي البديل لعلاج المرض والتعافي منه تمامًا، ويرى بعد ذلك إعلان من أحد المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي عن علاج نهائي للمرض في أحد أفضل المستشفيات في الهند وتايلاند، وبين هذا وذاك يوصي أحد الأفراد علاجًا بالماء والرقية الشرعية، فيدخل في دوامة لا متناهية بين الوصفات، وهذه الرحلة معروفة ولكل عائلة عمانية جزء من محطات هذه الرحلة الطويلة.
عند تأمل هذا المسار الشاق نفسيًا وأسريًا وماليًا وصحيًا، لا يمكن أن يختصر الحل بنموذج واحد، ولا يمكن الاعتقاد في الآن ذاته أننا بدعا عن البشر، فهذه المعاناة تشبه أثر البالون (Balloon Effect)، إذ إن الضغط على المشكلة في جانب واحد قد يؤدي إلى انتقالها أو ظهورها في جانب آخر، ما لم تعالج أسبابها بصورة متكاملة، لذلك اتخذت الدول في تجاربها نماذج متعددة لعلاج مسببات الهدر الاقتصادي في التسوق الطبي والتي يمكن حصر معظمها في هذه النقاط الرئيسية:
  • البحث عن اليقين: يريد أن يعرف المريض من هذه الرحلة شيئين وهما: ما هو تشخيص آلامه؟ وما العلاج الصحيح؟  لذلك كلما اقترب من المعرفة والطريقة المقنعة كانت التكلفة أقل وإن لم يصل إلى العلاج الشافي.
  • تكلفة القرار: إذا كان المريض يتحمل تكلفة العلاج فإنه يتخذ القرار الأكثر منطقية بناء على إمكانياته المالية، أما إذا كان العلاج تتحمله جهة أخرى كالمؤسسة الحكومية أو التأمين الصحي، فإن دخول رحلة العلاج الطويلة خيار عقلاني مدروس التكلفة.
  • الثقة في الخدمة: إن ضعف التواصل بين الطبيب والمريض وعدم وجود ثقافة طبية كافية لدى المريض حول الحالة المرضية يرفع من عدم اليقين لدى المريض وأسرته وتزداد الرغبة في البحث عن خيارات أخرى.
  • تكلفة تأخر التشخيص: يبحث المريض عن تشخيص سريع لحالته الطبية وقد يحدث التأخر لأسباب متعددة كالضغط العالي على النظام أو البيروقراطية، أو طبيعة الفحوصات الطبية، ولأن المرض هي حالة ذات أبعاد نفسية وجسدية على المريض فإنه يبحث عن حلول سريعة مما يتسبب في إعادة مراحل التشخيص كل مرة أو البحث عن خيارات علاجية مختلفة.
عند التفكير في الهدر المالي الذي يتسبب به التسوق الطبي في سلطنة عُمان، فإن القضية ذات أبعاد متنوعة ولا يمكن الاكتفاء بحلول أحادية الجانب، فكل دولة اتخذت حلولا جزئية للهدر المالي ولم تصل إلى حالة مثالية، وفي الشأن العُماني نجد أن الحلول متفرقة وغير متكاملة حيث أنها تعمل في دوائر منفصلة، ومما يخفف الضغط على الأفراد هو الدعم الحكومي عبر العلاج المجاني في القطاع الصحي الحكومي وتطبيق نظام التأمين الصحي لعدد واسع من الموظفين وأسرهم في القطاع الخاص، بالإضافة إلى جهود التكافل الاجتماعي والأسري ونشاط الجمعيات الخيرية، وهذه المبادرات رغم أنها تُخفف من الضغط على الأفراد لكنها تخلق ضغطا هائلاً على المؤسسات الحكومية والخيرية.
رسمت رؤية عُمان 2040 هدفا استراتيجيا طموحًا للقطاع الصحي وهو الصحة مسؤولية الجميع وذلك عبر “بناء نظام صحي رائد، عادل ومستدام”، وحتى يتحقق هذا الهدف الرامي إلى تقليل حجم الهدر المرتبط بالتسوق الطبي، فإننا نرى بأن هناك عدة مستويات بناء على الجهة المسؤولة، فعلى وزارة الصحة مضاعفة الجهود لتحسين دور الرعاية الأولية من خلال طب الأسرة وتفعيله بكفاءة عبر المراكز الصحية مما يقلل التكلفة ويفعل دور حارس البوابة الذي يقيم حالة المريض ويوجهه إلى المستوى المناسب من الرعاية، بدل انتقاله بصورة مباشرة ومتكررة بين الأطباء والتخصصات والمؤسسات الصحية، وكذلك الاستفادة من منصة شفاء وربطها بكافة المؤسسات الصحية والخاصة وكذلك منصة ضماني لمعرفة مدى تكرار الفحوصات والتكلفة المرتبطة بها، كما على وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار حصر المؤسسات التجارية التي تملك تراخيص تجارية لعلاجات غير مباشرة كالأعشاب والحجامة والعلاج التقليدي بمختلف أنواعه، بالإضافة إلى دور الجهات ذات العلاقة في حصر عدد المسافرين العمانيين بهدف العلاج خارج سلطنة عُمان وهذا يمكن حصره لأن عدد الدول والمستشفيات التي يسافر إليها العُمانيون محدودة وبعضها بدعم حكومي، وأيضا من المهم التواصل مع الجمعيات الخيرية لأجل حصر الأموال التي يتم جمعها وما هي العلاجات التي يبحث عنها الناس خارج القطاع الحكومي الصحي.
نجد من خلال هذا المقال أن هناك فجوة في المعرفة عن حجم الهدر، وأن الهدر في التسوق الطبي متعدد المستويات، لذلك قبل اتخاذ الحلول المناسبة يجب معرفة حجم الهدر، كما أود الإشارة أهمية وجود دراسات مستفيضة ومشاركة مجتمعية فاعلة عند دراسة خيار خصخصة القطاع الصحي وذلك لأن تحدياته وسلبياته متعددة الآثار الاجتماعية والمالية.

شارك هذا الخبر