أمريكا ونصيحة الجنرال الصيني

عن الكاتب

الركابي حسن يعقوب
الركابي حسن يعقوب

كاتب وصحفي سوداني

أمريكا ونصيحة الجنرال الصيني
أمريكا ونصيحة الجنرال الصيني
أثير - الركابي حسن يعقوب
سون تزو، أو المعلم سون، هو جنرال وفيلسوف وكاتب صيني قديم عاش خلال عهد أسرة تشو الشرقية في عصر ما قبل الميلاد، حسبما هو مدون في موسوعة ويكيبيديا، وينسب إليه تأليف كتاب “فن الحرب”، الذي تناول ضروبًا وفنونًا من القواعد العسكرية والإستراتيجية.
يشير المعلم سون في مؤلفه هذا إلى قاعدة ذهبية في الحروب والخطط العسكرية هي في غاية الأهمية، حيث يقول سون: «لا تضغط على عدوٍ يائس، واترك له دائمًا مخرجًا للاستسلام، وإلا سيقاتل بضراوة الموت».
إنها قاعدة ذهبية بالفعل، ويمكن تشبيه مغزاها ومعناها بقاعدة حشر القط في الزاوية؛ فحين يحدث ذلك، فإن القط سيدافع عن نفسه بضراوة، مدفوعًا بغريزة البقاء، بل إنه سيتحول من هارب خائف إلى مدافع ضارٍ، ثم مع ذروة الخناق والتضييق عليه يتحول إلى مهاجم شرس، مستجمعًا كل قواه في الهجوم، وفي الغالب تكون النتيجة في صالحه، وينجح في النجاة بنفسه من المأزق أو إجبار خصمه على التراجع والفرار.
ونظرة إلى المشهد الراهن في الصراع بين إيران وأمريكا، نلحظ فيه صورة مشابهة لما تحدث عنه المعلم سون وحذّر منه، وملامح واضحة من قاعدة حشر القط في الزاوية وما ينجم عن هذا الحشر من رد فعل في الاتجاه المعاكس.
أمريكا، ومنذ نكوصها عن إكمال المفاوضات التي كانت ترعاها عُمان، واختيارها للخيار العسكري في صراعها مع إيران، عمدت إلى مطاردة القط الإيراني ومحاولة القضاء عليه بالقوة العسكرية، ثم عمدت إلى التضييق بعد ذلك بالحرب الاقتصادية، ثم بالقوة العسكرية عبر استهداف بنيتها التحتية، ثم مؤخرًا بالاثنين معًا: القوة العسكرية والخنق الاقتصادي، وهي تمامًا مرحلة الحشر في الزاوية، وهو، وفقًا لقاعدة المعلم سون، خطأ فادح ارتكبته أمريكا؛ فقد وضعت إيران في موقف ضيق جدًا، وحرمتها من كل خيارات التراجع والمناورة وإيجاد المخارج والمنافذ.
وهذه حقيقة نراها الآن، وتجسدت بصورة واضحة في تحوّل إستراتيجية إيران في مواجهتها لأمريكا؛ فقد أعلنت، في سياق تعاطيها مع الأزمة، تطوير إستراتيجية تقوم على المبادأة والمبادرة والعمل الاستباقي، دون انتظار الفعل الأمريكي ثم الرد عليه، كما كان في السابق، وطبقتها إيران في مهاجمتها للسفن التجارية، ثم مهاجمتها لسفن حربية أمريكية بصواريخ باليستية، وهو تطور مهم يعكس بوضوح تصاعد وتيرة الرد والشراسة الإيرانية بسبب حشرها في الزاوية، وقد كانت من قبل لا تجرؤ على مهاجمة القطع الحربية الأمريكية، حتى كان ذلك مثار تساؤل العديد من المراقبين: لماذا لا تستهدف إيران القطع البحرية الأمريكية وهي في مرمى نيران صواريخها وفي مياهها الإقليمية؟
إنها بلا شك قاعدة المعلم سون ورد الفعل الناتج عن الحشر في الزاوية. ومن مظاهرها أيضًا إعلان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، محسن رضائي، في التلفزيون الرسمي، الأحد السادس من سبتمبر، أن بلاده ستقيم ما سماه بـ«منطقة محظورة» قرب مضيق هرمز في الأيام المقبلة، وقد حدد لها نطاقًا يبدأ من خط الحصار الذي تفرضه البحرية الأمريكية، وتشمل مناطق من الخليج، بحيث إن أي سفينة تدخل هذه المنطقة المحظورة بصورة مخالفة للقانون ستدرج على قائمة العقوبات الإيرانية، وأنها ستواجه مشكلات في الحصول على التأمين، ولا تستطيع العبور مجددًا بسبب الحظر الإيراني.
ويُعتبر هذا الحظر هو الآخر تطورًا خطيرًا، ويضع أمريكا أمام تحدٍ غير مسبوق وتحت اختبار صعب لإرادتها وإنفاذ خطتها الرامية إلى فتح المضيق وإعادة الملاحة فيه لوضعها الطبيعي؛ فإنه من المؤكد أن السفن التجارية لن تغامر بالمرور عبر المضيق تحت وطأة التهديد الإيراني، حتى ولو كان ذلك بضمانات أمريكية، بل إن السفن الأمريكية نفسها ستكون محل استهداف من قبل الحرس الثوري الإيراني، الذي يبدو أنه سيزداد جدية وجرأة وشراسة، وقد حُشِر في الزاوية.
إن قرار إقامة منطقة محظورة يهدف إلى ضرب طوق من الحماية على مضيق هرمز، الورقة الاستراتيجية الأخيرة والأكثر أهمية التي بقيت بيد إيران، وهذه الحماية لإبقاء المضيق تحت سيطرتها الكاملة، بالإضافة إلى أن هذا الحظر يتيح لإيران تحديد ممر ملاحي جديد بديل للممر المعروف، وهو في مجمله رد فعل على الحصار البحري الأمريكي على صادرات النفط الإيرانية ضمن خطة الخنق الاقتصادي التي اعتمدتها وزارة الخزانة الأمريكية مؤخرًا.
وقد بدأت بوادر وملامح الخنق الاقتصادي في الظهور على الداخل الإيراني، خاصة في أسعار البنزين، وقد صرحت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، أن زيادة أسعار البنزين ستطال فقط المستهلكين الذين يتجاوز استهلاكهم 110 لترات شهريًا في ظل الظروف الراهنة، وهو قرار يعكس مدى عمق الأزمة وتأثيرها السلبي على قطاع الطاقة.
ومع تصاعد التوتر والآثار الاقتصادية السلبية، ستتصاعد وتيرة التصعيد من الجانب الإيراني، الذي يبدو كما لو أنه قد اختار استراتيجية هجومية، لكن في نطاق استراتيجيته الدفاعية، على قاعدة الهجوم خير وسيلة للدفاع، وسيكون ذلك ضارًا بالموقف الأمريكي؛ فمع استمرار إغلاق المضيق وفق خطة المنطقة المحظورة، تتسع دائرة أزمة الوقود في الداخل الأمريكي، فقد سجل متوسط سعر وقود السيارات العادي هناك 4.14 دولار للجالون، بزيادة تقدر بنحو دولار واحد مقارنة بالعام الماضي، كما سجل سعر الديزل 5.85 دولار للجالون، بحسب جمعية السيارات الأمريكية.
وهذا يعني أن الاقتصاد الأمريكي سيكون له نصيب من الأثر السلبي من خطة الخنق الاقتصادي على إيران، وهي نتيجة غير مرغوب فيها، إذ إنها تظهر أمريكا كمن يغلق الباب على إصبعه، أو من يشعل النار في طرف ثوبه، وإذا ما أضفنا إلى ذلك كله استراتيجية الضربات الاستباقية التي دشنتها إيران مؤخرًا، نجد أن واشنطن أصبحت في وضع لا تُحسد عليه؛ فهي لا تستطيع المضي في إحكام الخناق بالكامل على إيران، ولا هي ستكون قادرة على التراجع عن خططها وسياساتها المعلنة، وكل ذلك بسبب أنها لم تدعُ لطهران فسحة للمناورة ومنفذًا للخروج، بحسب الحكمة الصينية القديمة التي عبّر عنها المعلم سون، فهل ستأخذ أمريكا بنصيحته، أم قد فات الأوان؟.

شارك هذا الخبر