أثير- عبدالله العريمي
عند رحيل كل كاتب حقيقي ينقص الكثير من منسوب الجمال على الأرض، واليوم برحيل الصديق والأديب محمد بن عيد العريمي، يُفتح أفق لتأمل المعرفة التي طالما نضجت في خفاء التجربة، وقراءة الإنسان في أقصى تجلياته.
كانت الكلمة لديه أداة لقهر الحصار، وسكنى في عمق اللفظ والفكرة، ففي المسار الذي خطه لنفسه، تجاوز محنة الجسد إلى مرتبة إشراقية؛ إذ أصبح الابتلاء وسيلة لكشف اتساع الوجود، وأصبحت مرارة الواقع بصيرة صافية تعيد تأثيث الحياة، لذلك انطلقت روحه متحررة من القيود الظاهرة، وأحال معاناته الذاتية إلى ملاحم تؤكد إمكانية أن يكون القيد أفقا للطيران، والغياب حضورا مضاعفا للروح.
ترجّل محمد عيد عن المشهد الطيني، ولكنه، في رحلته الأبدية، رشَّ يقينا بانتصار الوعي على المادة، فقد كان قلمه مقبضا للإرادة المحضة، وصاغ من كل لحظة معنى جديدا للثبات، إلى أن أصبح الموت تتويجا لحياة عاشها بحب كامل الحضور، وفي هذا المستوى أصبح الغياب اكتمالا لمعنى وجوده.
الحياة التي وقّع بها محمد عيد أوراق مروره على هذه الأرض، يقين على أن الروح حين ترتبط باللغة والجمال تعلو على كل المحن، وتنتصر في حروبها الشريفة كلها.
رحل محمد عيد وتحرر من ربقة الطين، ولكن أثره استقرَّ حقيقة ثابتة في الضمير، ونقشا عمانيا أصيلا في الروح والذاكرة.






