البيت العود في الخوض؛ ما قصته؟

البيت العود في الخوض؛ ما قصته؟
الشيخ محمد بن عمير الهنائي
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
عُرف العُمانيون عبر تاريخهم بعنايةٍ خاصة في تشييد البيوت، فلم يكن البناء لديهم مجرد مأوى يحتمي من حرّ الصيف أو برد الشتاء، بل كان انعكاسًا لمكانة اجتماعية، ورمزًا للاستقرار، وعنوانًا للهوية، وقد برزت في القرى والمدن العُمانية ظاهرة البيوت الكبيرة – أو ما يُعرف محليًا بـ“البيت العود” – بوصفها أحد أهم معالم العمارة التقليدية، إذ شكّلت فضاءً جامعًا للأسرة الممتدة، ومقرًا للضيافة، ومركزًا للحراك الاجتماعي في الحارة.
ولم تكن هذه البيوت مجرد كتل عمرانية صامتة، بل كانت حاضنةً للذاكرة الجماعية، تُعقد فيها المجالس، وتُتخذ فيها القرارات؛ لذا ظلّت البيوت الكبيرة في سلطنة عُمان شاهدًا حيًا على تداخل البعد الاجتماعي بالمعماري، وعلى حرص العُمانيين على أن يكون البناء تعبيرًا عن القيم بقدر ما هو استجابة للحاجة.
“أثير” تقترب في هذا التقرير من أحد تلك البيوت الكبيرة التي شكّلت علامة فارقة في العمارة العُمانية التقليدية، ألا وهو “البيت العود” الكائن في قرية الخوض القديمة التابعة لولاية السيب بمحافظة مسقط، والذي يعود إلى أسرة الشيخ محمد بن عمير الهنائي.
معنى البيت العود
تجدر الإشارة إلى أن كلمة “العود” في اللهجة العُمانية الدارجة تعني “الكبير”؛ فهي توصيف يُطلق على ما اتسع حجمه أو عظم شأنه، ومن هنا جاءت تسمية “البيت العود” أي البيت الكبير، سواء من حيث المساحة أو من حيث المكانة الاجتماعية التي يمثلها.
ولم يكن إطلاق هذا الوصف اعتباطيًا، بل ارتبط بثقافة محلية ترى في كِبر البيت دلالة على سعة العائلة، وامتدادها، وقدرتها على احتضان الضيوف والمناسبات، فالـعود في السياق العُماني لا يحيل إلى الحجم فحسب، بل إلى القيمة والاعتبار أيضًا؛ إذ يُقال عن كبير القوم “فلان العود”، في إشارة إلى مقامه وهيبته.
سيرة الباني: من وادي العين إلى زنجبار ثم إلى الخوض
يعود الفضل في تشييد هذا المعلم التراثي البارز إلى الشيخ حميّد بن عُمير بن علي بن سالم البُحري الهنائي، أحد رجالات الهجرة العُمانية إلى شرق أفريقيا في القرن التاسع عشر، وأول من غادر من أسرة آل عمير صوب السواحل الأفريقية طلبًا للرزق واتساع الأفق.
تنحدر أصول الشيخ حميّد من وادي العين التابع لـعبري، وهي منطقة عُرفت بطبيعتها الجبلية ومواردها المحدودة نسبيًا في فترات سابقة، وقد دفعت ضيق الأحوال الاقتصادية آنذاك عددًا من أبناء الداخل العُماني إلى الهجرة نحو سواحل شرق أفريقيا، شأنهم في ذلك شأن كثير من العمانيين الذين صنعوا حضورًا اقتصاديًا مؤثرًا في تلك البلاد.
اتجه الشيخ حميّد إلى زنجبار، التي كانت آنذاك مركزًا تجاريًا نابضًا بالحياة، وموطنًا لازدهار تجارة القرنفل التي ارتبط اسمها بالتجار العُمانيين. هناك اشتغل في التجارة والزراعة، وتمكّن من أن يصبح من كبار ملّاك القرنفل، فأنشأ مزارع متعددة، من بينها مزرعة قرنفل عُرفت باسم “فينيا”، وقد ورثها من بعده ابنه المرحوم يحيى بن حميد، وكانت المزرعة تضم بيتًا كبيرًا يعكس مكانته الاقتصادية والاجتماعية في تلك المرحلة.
وفي هذا يشير الباحث ناصر بن عبدالله الريامي إلى أن الشيخ حميد " هاجر إلى زنجبار، وتحديدًا إلى الجزيرة الخضراء، في زمانٍ غير محدّد الدقّة، ومكث فيها لفترةٍ غير محدّدة، وعندما أُخضِعت زنجبار للإدارة الإنجليزية عام 1890 شعر بأن الحياة فيها لا تطاق، فقفل عائدًا إلى عمان، إلا أنه سرعان ما اشتاق للعودة ثانيةً إلى زنجبار، فتحقق له ذلك في عام 1906م تقريبًا، حيث عاد إلى الجزيرة الخضراء مصطحبًا معه حفيده الشيخ محمد بن عمير قبل أن يتجاوز عامه الخامس أو السادس“.
وقد أنجب الشيخ حميّد ابنين هما عمير، ويحيى وعددًا من البنات، ومن أفراد ذريته البارزين الشيخ المرحوم محمد بن عُمير بن حُميّد الهنائي، وإخوته زاهر، ومبارك، وعبدالله، وسالم وحمد، وفي الوقت الحالي هناك العديد من أفراد الأسرة الذين حققوا مكانة كبيرة وبالأخص في المجال الاقتصادي.
وقد جعل الشيخ حميّد بن عُمير الهنائي البيت العود وقفًا لذريته، وأوقف له أموالًا كثيرة.
اختلاف الروايات حول تاريخ البناء
لا يتوافر تاريخٌ موثّقٌ بدقة لبناء “البيت العود”، وهو أمرٌ مألوف في كثير من البيوت العُمانية التقليدية التي شُيّدت في القرن التاسع عشر، حيث لم تكن سجلات البناء الرسمية شائعة آنذاك، واعتمد التأريخ غالبًا على الروايات الشفوية أو ما يرد في الصحف والدراسات اللاحقة.
فبحسب تقريرٍ منشور في جريدة عمان بتاريخ 12 فبراير 1994، فإن بناء البيت يعود إلى عام 1860م، وهو تاريخ يضع تشييده في مرحلة مبكرة من الحضور العُماني في شرق أفريقيا.
في المقابل، يذكر الشيخ أحمد بن محمد بن عمير الهنائي أن البيت بُني في حدود عام 1870م، وهو تقدير يستند – على الأرجح – إلى ما توارثته الأسرة من روايات شفوية.
أما الباحث ناصر بن عبدالله الريامي فيذهب إلى أن “البيت العود” قد شُيّد في عام 1880م، وتحديدًا بعد انتقال الشيخ حميّد بن عمير للإقامة في زنجبار، وهو رأي يربط بين ازدهار نشاطه التجاري هناك وبين قدرته على تشييد بيت كبير يعكس مكانته الاقتصادية والاجتماعية.
هذا التباين بين الأعوام الثلاثة (1860م – 1870م – 1880م) لا يُضعف من القيمة التاريخية للبيت، بقدر ما يكشف عن طبيعة المرحلة التي بُني فيها، وهي مرحلة اتسمت بالحراك والهجرة وتنامي الثروات العُمانية في شرق أفريقيا. كما أن الفارق الزمني بين الروايات لا يتجاوز عقدين من الزمن، ما يُبقي البيت في إطار النصف الثاني من القرن التاسع عشر على أي حال.
ملامح معمارية… بيتٌ بحجم الحكاية
يتكوّن البيت العود في قرية الخوض القديمة من ثماني غرف وخمسة مخازن، في توزيعٍ يعكس طبيعة البيوت العُمانية الكبيرة التي كانت تحتضن الأسرة الممتدة وتستوعب متطلبات المعيشة والتخزين في آنٍ واحد، ويبلغ ارتفاع البيت نحو 12 مترًا، فيما يصل عرض جداره إلى مترٍ ونصف المتر، وهي سماكةٌ لم تكن مجرد عنصر إنشائي، بل حلٌّ معماريٌّ ذكي يوفّر العزل الحراري ويحافظ على اعتدال درجة الحرارة داخل الغرف.
ويحتوي البيت على 24 نافذة، صُمّمت لتوفير الإضاءة والتهوية الطبيعية، مع مراعاة الخصوصية التي تميّز العمران العُماني التقليدي. أما الأبواب الثلاثة، فأهمها الباب الرئيس الذي يشكّل تحفةً قائمة بذاتها؛ إذ جُلِب من زنجبار في عام 1935م بواسطة أحد المراكب الكبيرة التي رست قبالة شواطئ السيب.
ولشدة متانته وضخامته، لم يكن نقل الباب أمرًا يسيرًا؛ فقد حُمِل إلى منطقة الخوض على ظهور الجمال بعد أن فُكِّك إلى قطعٍ متعددة، قبل أن يُعاد تركيبه في موضعه الحالي، ويجسّد هذا الباب – بما يحمله من تأثيرات زخرفية زنجبارية – صلة البيت بالعالم البحري والتجاري الذي انخرطت فيه الأسرة، كما يعكس التبادل الثقافي والمعماري بين عُمان وشرق أفريقيا في تلك الحقبة.
محطات في الترميم والإضافة… بيت يتجدّد عبر الزمن
لم يكن البيت العود مبنى جامدًا عند لحظة بنائه الأولى، بل ظلّ كائنًا معماريًا حيًّا يتفاعل مع الزمن وأحوال أصحابه، ففي عام 1935م أُلحق بالبيت برجٌ ومسجد، في إضافةٍ تعكس تنامي مكانته العمرانية والاجتماعية داخل القرية، فالبرج لم يكن عنصرًا جماليًا فحسب، بل ارتبط بوظيفة المراقبة والحماية، فيما شكّل المسجد امتدادًا روحيًا للبيت، يعزّز حضوره في محيطه بوصفه مركزًا اجتماعيًا ودينيًا في آنٍ واحد.
وعندما عاد الشيخ محمد بن عُمير الهنائي من زنجبار في عام 1960م، وجد البيت وقد نال منه الإهمال، فأدرك حاجته إلى صيانة عاجلة، فبادر إلى إعادة بناء الجزء الأمامي منه، مشيّدًا إياه بالحجر والجص ليكون درعًا واقيًا يحمي البناء الأصلي، ولم يكتفِ بذلك، بل أوقف للبيت أموالًا سخية، في خطوةٍ تعبّر عن وعيه بقيمته الرمزية والتاريخية.
وعند عودته الأخيرة من زنجبار في عام 1964م، استقرّ في البيت وأشرف على إصلاحه، وظلّت الأسرة تقطنه حتى منتصف السبعينيات، ليبقى مأهولًا بالحياة قبل أن يتحوّل تدريجيًا إلى شاهدٍ صامت على مرحلة مضت.
وفي مطلع عام 1994م بدأت مرحلة جديدة من العناية بالبيت، بعد أن أثّرت عوامل التعرية والرطوبة على جدرانه الطينية السميكة، وقد حرص القائمون على ترميمه على أن يحافظ على شكله المعماري القديم دون تشويه أو تغيير في ملامحه الأصلية، فاستُقدم فريق من ذوي الخبرة في أعمال الترميم التقليدي، مراعيًا طبيعة المواد القديمة وأساليب البناء العُمانية المتوارثة.
المراجع
  • الريامي، ناصر بن عبدالله. زنجبار شخصيات وأحداث، ط3، بيت الغشام للصحافة والنشر، مسقط، 2016.
  • الهنائي، زاهر بن ناصر. محمد بن عمير الرجل الفذ، ط1، 2012.
  • جريدة عمان. عدد 12 فبراير 1994، الصفحة الثالثة.

شارك هذا الخبر