أثير - أحمد بن عبدالله الشبيبي، خبير الاستشارات الاسرية
حين يتقدم أحد الزوجين بدعوى لإنهاء العلاقة الزوجية، فإن المحكمة تستقبل ملفًا قانونيًا، لكن خلف هذا الملف حياة كاملة ومشاعر مجروحة وخلافات تراكمت وأطفال قد لا يفهمون ما يحدث لكنهم يتحملون نتائجه. وهنا يبرز سؤال يستحق اهتمام الجهات المعنية في السلطنة: هل يمكن أن نجعل الاستشارة الأسرية المتخصصة مرحلة منظمة تسبق المضي في دعوى الانفصال وتمنح الأسرة فرصة للفهم والإصلاح وتسوية الحقوق؟
إن الدعوة إلى هذا المسار تنطلق من تقدير دور القضاء ومن إدراك أن القاضي يحتاج إلى منظومة مهنية مساندة تتولى دراسة الجوانب النفسية والاجتماعية للنزاع. فبعض الخلافات تتطلب وقتًا للاستماع وفهمًا لطبيعة التواصل بين الزوجين وبحثًا في تدخلات الأهل والضغوط الاقتصادية والتوقعات المتبادلة وهي جوانب تستفيد من بيئة استشارية متخصصة تتيح الحوار والمتابعة.
ويؤكد التشريع العماني أهمية الإصلاح إذ تلزم المادة “٢٨٥” من قانون الإجراءات المدنية والتجارية المحكمة ببذل جهد في محاولة الصلح بين الزوجين قبل الحكم بالطلاق أو التطليق. وهذا يوفر أساسًا يمكن البناء عليه لتطوير مسار مؤسسي واضح يربط العمل القضائي بخدمات الإرشاد والاستشارات الأسرية ويحدد مسؤولية كل جهة وحدود اختصاصها.
كما توجد تجارب خليجية تستحق الدراسة تلزم التشريعات بطلب التسوية لدى مكتب التوفيق الأسري في المنازعات المشمولة بهذا الإجراء ويشترط طلب التسوية قبل رفع دعاوى الطلاق والتطليق التي يجوز فيها الصلح. والاستفادة من هذه التجارب تستدعي تقييم نتائجها وتكييفها مع واقع المجتمع العُماني واحتياجاته.
ومن هنا أقترح دراسة سن إطار تشريعي ينظم الإحالة الإلزامية لطلبات الانفصال والدعاوى الزوجية التي يحددها القانون إلى وحدات الإرشاد والاستشارات الأسرية التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية مع إمكان الاستعانة بالمراكز المرخصة والخاضعة لإشرافها وفق اعتماد خاص لهذا المسار. فتتولى هذه الجهات التقييم ومحاولة التسوية، ضمن مدة معلومة وبالتنسيق مع المجلس الأعلى للقضاء قبل الانتقال إلى الفصل القضائي في النزاع.
وتتمثل إحدى أهم مزايا المقترح في توفير بيئة آمنة ومهيأة لاستقبال الزوجين تراعي الخصوصية والكرامة، وتساعدهما على التعبير عن مخاوفهما واحتياجاتهما. فالمكان وطريقة الاستقبال ولغة الحوار عناصر قد تؤثر في استجابة الطرفين. وقد يكون الحديث عن الألم والاحتياجات والتوقعات أكثر سهولة في غرفة استشارية، بحضور مختص محايد، بعيدًا عن أجواء المواجهة التي قد يصاحبان بها النزاع.
وتتيح هذه المراكز مرونة في تنظيم الجلسات بما يناسب ظروف العمل والسكن ورعاية الأبناء، من خلال مواعيد صباحية ومسائية، وجلسات فردية أو مشتركة بحسب التقييم، وإمكان تقديم بعض الخدمات عن بُعد متى ناسبت الحالة وضُمنت السرية. وتساعد هذه المرونة على انتظام الحضور واستمرار التدخل، بدل تعثره لأسباب تنظيمية يمكن معالجتها.
ويبدأ العمل بتقييم مهني لأسباب النزاع، ومدى استعداد كل طرف للتغيير، ووجود أطفال واحتياجاتهم، وأي مؤشرات للعنف أو الخطر. ويساعد هذا التقييم على اختيار المسار المناسب: محاولة إصلاح العلاقة، أو إعداد اتفاق منظم للانفصال، أو الإحالة إلى خدمات حماية أو علاج متخصص، بحسب احتياج الأسرة.
وإذا ظهرت مقومات للاستمرار، ولو كان هناك بصيص أمل واقعي، توضع خطة إرشادية أو علاجية بحسب الحاجة والاختصاص. وتشمل أهدافًا محددة، مثل تحسين التواصل، وضبط التصعيد، وتنظيم العلاقة مع الأسرتين، ومعالجة الخلافات المالية. ويُتفق على مسؤوليات الطرفين، وعدد الجلسات، ومدة المراجعة، ومؤشرات التقدم، حتى يصبح الإصلاح عملًا قابلًا للمتابعة.
وتحتاج هذه الخطة إلى إشراف مهني يراجع جودة التدخل وملاءمته، ويتحقق من أن استمرار الجلسات يحقق فائدة. ويكون رفع نتائج المسار إلى المحكمة في تقرير موجز يبين حصول التسوية أو تعذرها وما يستلزم إجراءً قضائيًا، مع حماية خصوصية الجلسات، وتحديد المعلومات التي يجوز الإفصاح عنها قانونًا.
ومن المخرجات المتوقعة تخفيف العبء عن المحاكم، عبر تسوية بعض النزاعات قبل استكمال التقاضي، أو حصر نقاط الخلاف وتقليل الطلبات المتفرعة عنها. وحتى عندما يتعذر استمرار الزواج، فإن الاتفاق على بعض الحقوق قد يقلل مساحة النزاع المعروض على القاضي، ويوفر وقت الأسرة والجهات القضائية، شريطة تقييم هذه النتائج ببيانات واضحة.
أما من حيث التكلفة، فيمكن دراسة شراء الخدمة من المراكز المعتمدة، وفق تعرفة محددة ومعايير جودة ورقابة، بدل الاعتماد الكامل على التوسع في التوظيف الحكومي. وقد يتيح هذا الاستفادة من الكفاءات والمرافق القائمة، لكن جدواه المالية تحتاج إلى دراسة فعلية. ويجب ضمان إتاحة الخدمة لغير القادرين، وألا تصبح تكلفتها عائقًا أمام الوصول إلى العدالة.
وتبرز أهمية المسار بصورة أكبر عندما يكون هناك أطفال. فالهدف حينها يشمل مساعدتهم على عبور التغير الأسري بأقل قدر ممكن من الاضطراب، عبر تنظيم الحضانة والزيارة والنفقة، وتوضيح مسؤوليات الوالدين في التعليم والعلاج والتواصل، وإبعادهـم عن الرسائل العدائية ومحاولات الاستقطاب. وتنتهي العلاقة الزوجية أحيانًا، بينما تستمر المسؤولية الوالدية سنوات طويلة.
ويقتضي نجاح المقترح اعتماد الاتفاقات بالطريقة القانونية التي تمنحها الحجية والقابلية للتنفيذ، مع بقاء سلطة الفصل والإلزام للقضاء. كما يتطلب ضوابط لتأهيل المختصين، وحماية البيانات، ومنع تضارب المصالح، وآلية للشكاوى. ويجب استثناء الحالات المستعجلة والخطرة من أي إجراء يؤخر الحماية، وألا يُضغط على متضرر لقبول الصلح أو العودة إلى بيئة غير آمنة.
ويمكن البدء بتطبيق تجريبي في محافظات مختارة، تقاس نتائجه بمؤشرات تشمل زمن التسوية، والتكلفة، ورضا المستفيدين، وتكرار النزاع، واستقرار الاتفاقات. أما نجاح الإصلاح الزوجي فيحتاج إلى متابعة لاحقة؛ لأن توقيع محضر الصلح لا يكفي لإثبات تحسن العلاقة. والفرصة أمام الجهات المعنية هي بناء مسار يمنح الأسرة تدخلًا متخصصًا مبكرًا، يصون الحقوق، ويدعم القضاء، ويضع مصلحة الأطفال في صميم القرار.






